نعم، هنا شيئات: أحدهما: علم صفات القلب، فأهل الحقيقة لهم به اعتناء واهتمام وجد وسلوك طريقتهم موقوف على معرفته، وتبديل صفاته الذميمة، وأكثر أهل الشريعة يهملون ذلك، ويتهاونون به مع كونه فرض عين في الشريعة والحقيقة بلا خلاف» [1] .
ثم تكلم عن الأمر الثاني وهو الرخص وبيَّن أن أهل الحقيقة يأخذون بالعزائم وكلام الهيثمي فيه رائحة جبن عن الجهر بحقيقة ما يعتقد، وفيه تناقض ملحوظ وفيه عدوان باغ، وهذا في قوله عن الحقيقة: إنها مشاهدة أسرار الربوبية!! لو قال آيات الربوبية، لأصاب، لكنه تعمد ذكر كلمة أسرار! ومن ذا الذي يشهد هذه الأسرار، وما تلك الأسرار؟ إنها - كما تزعم الصوفية - مشاهدة الذات، ومكاشفتها!
وكان ابن عجيبة صوفيًا شجاعًا! نعم، لأنه أفصح فعلًا عن عقيدة الصوفية دون محاورة أو مداورة أو مداهنة، وهذه الصوفية من القول بالظاهر والباطن التحلل من أحكام الشريعة، وانتهاك محارم الله جهرة!
ولهذا يحتجون بقصة موسى والخضر زاعمين أن الخضر كان على بينة من الحقيقة أو الباطن، ولهذا قتل، وخرق السفينة، وكذلك يجوز للولي أن يفعل!
وقد رددت على هذه الفرية في كتابه «مصرع الصوفية» ، وخلاصة الرد أن الخضر فعل ما فعل بوحي من الله، فالله يقص عنه قوله: {وما فعلته عن أمري} فهل يوحى إلى الولي؟
إن ما فعله الخضر لم يكن مخالفًا للشريعة بدليل أنه حين بيَّن لموسى أقره على ما فعل واعتذر عن اعتراضه الأول.
إن ما فعله الخضر كان بالنسبة له شريعة وحقيقة وظاهرًا وباطنًا، فهو لم يفعل ما يخالف الظاهر أو الشريعة بالنسبة إلى ما أوحاه الله إليه.
نسأل: أين الشريعة والحقيقة؟ أهما في كتاب في الله أم لا؟ لا يستطيع أحد سوى الكفار أن تبهت القرآن بأنه خلى من الحقيقة، إذن لا حاجة بنا إلى أن نتصوف، بل نحن في حاجة دائمًا إلى أن نكون مسلمين، وكتاب الإسلام كتاب الله سبحانه.
ويطيب لي أن أنقل هنا ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية عن القرآن بعد أن تكلم عن بعض الكتب السماوية: «وأما القرآن، فإنه مستقل بنفسه لم يحوج أصحابه إلى كتاب آخر، بل اشتمل على جميع ما في الكتب من المحاسن، وعلى زيادات كثيرة لا توجد في الكتب، فلهذا كان مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنًا عليه قرر ما فيها من الحق، ويبطل ما حرف منها، وسينسخ ما نسخه الله [2] ، فيقر الدين الحق، وهو جمهور ما فيها، ويبطل الدين المبدل الذي لم يكن فيها، والقليل الذي نسخ فيها؛ فإن المنسوخ قليل جدًا
(1) (ص 227) وما بعدها.
(2) يعني ما نسخه الله من الشرائع السابقة.