فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 182

ويفند الشيخ عبدالرحمن الوكيل هذه الدعاوى فيقول: إن المرتبة الأولى التي ذكرها الطوسي هي أسمى المراتب وأعظمها، وشرطها كما ذكر الطوسي هو حسن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والتزام الطاعة لله والخشية منه، غير أن الصوفية تحكم على هذه المرتبة بأنها مرتبة العوام، تحكم على قول الله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ، بأنه تعبير عن حب العوام، لماذا تحتقر الصوفية هذه المرتبة؟

لأنها تفرض على العبد أن يعبد الله بما أمر أن نعبده به، والصوفي الحق قد لا يقوم بعبادة، ولا يلتزم بطاعة؛ لأن العبادة والطاعة تستلزم التفرقة بين الرب والمربوب، تستلزم الإيمان بوجود عابد ومعبود، أو مطيع ومطاع، وفي هذا ثنائية تمقتها الصوفية.

والمرتبة الثانية لا يرتضيها الصوفية أيضًا؛ لأن فيها حلول إرادة الله وصفاته محل إرادة العبد وصفاته، وهذا الحلول يستلزم أن يشعر السالك بأنه غير وسوي!!

لأنه يكون شاعر بإرادة فانية هي إرادته، وأخرى باقية هي إرادة الله، شاعرًا بصفات قد أمحت هي صفاته، وأخرى قد ثبتت له صفات الله، وهذا الشعور يناقض صرافة الوحدة.

أما المرتبة الثالثة، فهي مرتبة الحب الصادق؛ لأنها توحد بين ذات المحب وذات المحبوب، أو تجعل من الذاتين ذاتًا واحدة؛ ومن الاثنين واحدًا يوصف بالخالقية والخلقية!! وهذا معنى قول ذي النون: «سقوط المحبة من القلب والجوارح حتى لا يكون فيها المحبة» ، فالمحبة تقتضي وجود اثنين: محب ومحبوب، وسقوطها يقضي على هذه الثنائية؛ إذ ما تم في هذه المرتبة الصوفية إلا محب يحب نفسه، لا غيره، أما القشيري، فلم ينح منحى هذا التقسيم، وإنما ذكر لنا عن شيوخ الصوفية أكثر من تعريف للحب بعضها يوافق المرتبة الأولى عند الطوسي، وبعضها الثانية، وأكثرها يوافق المرتبة الثالثة، ومن هذه التعريفات: «محو المحب بصفاته، وإثبات المحبوب بذاته، حقيقة المحبة أن ينسى العبد حظه من الله عز وجل، وينسى حوائجه إليه، حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك، لا تصح المحبة إلا بالخروج عن رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب؛ بفناء علم المحبة، المحبة هتك الأستار، وكشف الأسرار، المحبة استهلاك في لذة، والمعرفة شهود في حيرة، وفناء في هيبة، المحبة محو الإرادات، واحتراق جميع الصفات والحاجات، المحبة سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه، ثم السكر الذي يحصل عند الشهود لا يوصف.

وأصرح من هذه التعريفات التي تدندن بالوحدة بين العبد والرب هذا القول: «المحبة توجب انتفاء المباينة» ، وينقل الجنيد عن السري السقطي قوله: «لا تصح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر: يا أنا» [1] .

(1) ص 134 رسالة القشيري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت