ولقد ذكر القشيري على لسان أبي علي الدقاق قوله: «لا يوصف الحق سبحانه بأنه يعشق» ، قد يقول من يحبون دائمًا الاعتذار عن الخطايا، والوثنية فلنجرد «العشق» مما يدل عليه من معنى لا يليق بجلال الله سبحانه وكماله، وقد يقول أيضًا: «وهل من الواجب أن نتقيد فيما نخبر به عن الله بما بين الشرع» .
وإننا نؤكد لهؤلاء الذين لا يحبون إلا تلمس المعذرة لخطيئة الإلحاد وعمه الوثنية: إن اللفظ إذا جرد من معناه، صار لا مفهوم له، ولا يجوز الدين ولا العقل، بل ولا العرف الذي يحكمه ضمير، أن نطلق على الله ما ليس له معنى ولا دلالة!!
أو نقول على الله ما ليس لنا به علم، أو أن نصفه ونسميه بغير ما وصف وسمى به نفسه.
ونقول كذلك: إن الاعتصام بما وصف الله أو سمى به نفسه، أو وصف به وسمى صلة عبادة به وصلته بعباده وهو من أسس التوحيد القوي الصادق، ومقوم أصيل من مقومات الإيمان.
والحب عند الصوفية:
يقول الطوسي [1] : أهل المحبة على ثلاثة أنواع:
الحال الأولى: محبة العامة، يتولد ذلك من إحسان الله تعالى إليهم وعطفه عليهم.
ثم تحدث عن شرط هذه المحبة فنقل مما ذكره سهل بن عبدالله عنها.
موافقة القلوب لله، التزام الموافقة لله واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، مع دوام الاشتهار بذكر الله تعالى ووجود حلاوة المناجاة لله عز وجل.
والحال الثانية: وهو يتولد من نظر القلب إلى غناء الله وجلاله وعظمته وعلمه وقدرته، وهو حب الصادقين والمتحققين، وبين أن من صفاتها وشروطها هو: «إمِّحاء إرادات المحب وصفاته» .
الحال الثالثة من المحبة:
فهي محبة الصديقين والعارفين، تولدت من نظرهم ومعرفتهم بقديم حب الله تعالى، بلا علة فكذلك أحبوه بلا علة.
وقد سئل الجنيد - كما يذكر الطوسي - عن هذه المحبة فقال: «دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب» .
وقال عنها ذو النون [2] : إنها سقوط المحبة عن القلب والجوارح حتى لا يكون فيها المحبة، وتكون الأشياء بالله ولله، فكذلك المحب لله.
(1) انظر ص 75 وما بعدها «اللمع» .
(2) ذو النون المصري: هو ثوبان بن إبراهيم النوبي، توفي سنة 245 ه، يعتبره كتاب الصوفية مؤسس طريقتهم في المعرفة والمحبة، بل هو الواضع الحقيقي لأسس التصوف وأول من تكلم عن المقامات والأحوال، وهو من قرية أخميم بصعيد مصر، ولقد عرف ذو النون بمذهبه الخاص في المعرفة الذي هو أقرب إلى العرفان والغنوصية منه إلى المعرفة العقلية، فلقد سأله مريدوه: كيف عرفت ربك؟ قال: عرفت ربي بربي، فلولا ربي ما عرفت ربي، وأعرف الناس بالله أشدهم تحيرًا فيه، وبذلك يعبر عن مذهب مستقل في الفناء والاتحاد. كتاب من قضايا التصوف، للدكتور محمد السيد الجليند (ص 85) .