آيات كثيرة من القرآن الكريم غير هذه الآية كما جاءت هذه الصفة: {الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [4: 76] ، فأولياء الله يقاتلون في سبيل الله، وهم يقاتلون أولياء الشيطان ومن جزائهم غير ما سبق في الآية الأولى: {الله وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [2: 257] .
فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وقد فصل القرآن مفهوم الإيمان، ومفهوم التقوى فلتتدبر في كتاب الله ما ورد عن الإيمان، وما ورد عن التقوى.
ولهم الجزاء الجليل الأعظم: هداية مبصرة بصيرة، وإخراج من كل شبهة وضلالة إلى نور اليقين والإيمان الوثيق، حسبك أن الله هو الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور، وتدبر جمع كلمة الظلمات، وإفراد كلمة النور لتدعو الله كثيرًا أن ينقذك من الضلالات وأسبابها، فهي كثيرة أما النور فواحد وهو سبيل الله، وليس لله إلا سبيل واحد!! واحذر الكلمة الكافرة الهدف: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق» فهذه صوفية وثنية.
ثم هم لا خوف عليهم، والخوف يكون مما في المستقبل، والمستقبل بيد الله الذي يحبهم وبيده كل شيء، فكيف يخاف عليهم من شيء؟ ومستقبلهم رائع محفوظ بيد الحفيظ، ولا هم يحزنون: والحزن لا يكون إلا على ما فات، لأنه لا يعود مرة أخرى، أو لأن ما سيأتي لن يكون مثله، وهؤلاء الأولياء لا يحزنون على ما فات؛ لأن ما سيأتي هو خير مما مضى، أو هم في حقيقة الأمر لم يفتهم شيء، فنعيم الآخرة هو النعيم، ومتاعها هو المتاع، هكذا الولي لا يخاف مستقبله [1] ، ولا يحزن على ما ماضيه، لأن مستقبله أعظم، وأجل وأجمل.
{لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} ، أما البشرى العظمى لهم فهي القرآن، تدبر قول الله سبحانه: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [19: 97] ، والقرآن كما هو بشرى هو كذلك بشير، تدبر قول الله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) } [9: 10، 17] .
لهذا كان القرآن هو البشارة العظمى في الدنيا، لأنه أخرج أولياء الله من الظلمات إلى النور، وفصل بين الخير والشر وجعل للمؤمنين الأمل المحقق الأكبر في حياة أفضل ونعيم أبدي مقيم، وما بشر المؤمنون ببشارة أعظم ولا أجل من القرآن.
وبماذا بشر القرآن المؤمنين؟ تدبر ما مضى وتدبر هذه الآية: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) } [18: 2، 3] ، وتدبر هذه الآيات: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا
(1) لاحظ في الخوف، قيل: «لا خوف» وهذا لا ينفي أنهم يخافون، أما في الحزن فنفاه عنهم بلا يحزنون.