فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 301

المرء عقيدته ويضر عقائد الناس. إن إنسجام الأفراد أمر عظيم". هذا إلى أن"مرسوم العمود الثاني"يلقى لنا ضوءًا أكثر على المقصود من"جوهر الموضوع"- وهي العبارة التي وردت في المرسوم الذي ذكرناه الآن- إذ يقول:"إن قانون التقوى شيء جميل، لكن مم يتكون قانون التقوى؟ يتكون من هذه الأشياء: قليل من عدم التقوى، وكثير من الأفعال الخيرة، والرحمة، والإحسان، والصدق، والصفاء"؛ ولكي يضرب"أشوكا"المثال لما يريد، أمر موظفيه في كل مكان أن ينظروا إلى الناس نظرتهم إلى أبنائه، وأن يعاملوهم بالصبر والحسنى، فلا يعذبوهم ولا يسجنوهم بغير مبرر معقول؛ وأمر موظفيه أن يقرءوا هذه الإرشادات قراءة دورية على الشعب."

لكن الملك الصالح قد بالغ في تقوى شعبه وولاء أبنائه؛ أما هو نفسه فقد بذل مجهودًا عظيمًا في سبيل الديانة الجديدة، فجعل من نفسه رئيسًا للطائفة، وأجزل لها العطايا. وبنى بإسمها في أرجاء مملكته كلها مستشفيات للإنسان والحيوان. وأرسل مبشرين بالعقيدة إلى أجزاء الهند جميعًا، بل أرسل هاتيك البعوث إلى سوريا ومصر واليونان. حيث يحتمل أن تكون قد هيأت الطريق هناك للأخلاق المسيحية. ولم يمض بعد وفاته إلا زمن قصير حتى غادرت بعوث المبشرين بلاد الهند ليعظ رجالها الناس بالتعاليم البوذية في التبت والصين ومنغوليا واليابان، وبالإضافة إلى هذا النشاط الديني، توجه"أشوكا"بحماسة نحو إدارة بلاده في شئونها الدنيوية؛ فكان يطيل من ساعات العمل في يومه، ولم تكن الحوائل لتحول بينه وبين معاونيه، فلهؤلاء أن يتصلوا به في شئون الدولة في أي ساعة شاءوا.

لم يستطع أن يدرك أن البراهمة كانوا يمقتونه، ويتربصون به الدوائر ليفتكوا به، كما فتك كهنة طيبة بإخناتون قبل ذلك بألف عام؛ ولم يقتصر مقته على البراهمة الذي إعتادوا ذبح الحيوان من أجل أنفسهم ومن أجل آلهتهم، بل جاوزهم إلى ألوف مؤلفة من الصيادين والسماكين الذين كرهوا المراسيم التي فرضت كل هذه القيود القاسية على قتل الحيوان؛ حتى الفلاحون أخذوا يجأرون بالشكوى من الأمر الصادر"بألا يحرق قش الغلال خشية أن تحترق معه الكائنات الحية الكامنة فيه"، فنصف الشعب في الإمبراطورية كان ينتظر موت"أشوكا"كما يرقب الإنسان تحقيق الأمل. ويروي لنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت