لكن المتعين التنبيه عليه هنا ، هو استيثاق وضعية الجماهير ، واعتماد توجهاتها وتجمعها وعواطفها دون الالتفات إلى فقه الاصطفاء والنوعية، الذي هو مقصد عظيم للداعية
والمربي والمؤثر .
مكث بعض طلاب العلم عقودًا يهتم بالجماهيرية وعددها وتفاعلها ، دون أن يكون له حظ من تمييز وانتقاء وتمحيص .
وكانت تلك الجماهير من العوام وقلة من الخاصة تطرب لطرح الإيمانيات والرقائق ، وربما تفانت في محبة الشيخ وخدمته وتشجيعه , وإبراز دوره في الحياة الاجتماعية .
ويُسَرّ الشيخ الفاضل بمثل ذلك التأثير ، ويحمد الله على نعمته وفضله ، ولكن ينسى ذلك الشعور الاهتمام بالنوعية ، والتركيز على أدب الانتقاء ، الذي به يُظهر الداعية عظمته , وارتقاءه
فكريًا وتربويًا .
لأن تلك الجماهير عاطفية غالبًا ، متى ما زوحمت في أرزاقها تقاعست عن الحضور لضعف القناعة لديها ، ولغلبة حس الدنيا عليها ، ولخوفها من تجارب الابتلاء والمآزق التي قد يبتلى بها بعض الدعاة .
لكن حين استنهاج مسلك الانتقاء والنوعية ، يتحول التأثير العام من كونه درسًا عاطفيًا يلهب الجماهير إلى مدرسة تربوية ، تصفي الجيل ، وتنتفي الأكفاء وتعدّ رجالات المستقبل كما يقال .
لأن هذه الدعوة مسئولية ، والدين أمانة ، والعمل تضحية ، فيتعين على طلبة العلم حسن الإعداد والتربية ، وتوقع أسوأ الاحتمالات على
كل حال .
وأن لا يغتر أحدنا بجموع المساجد الغفيرة التي يُفرح بها ، وتنشط المعلم ، لكنها محدودة العمل والفكر ، وتقف على أي مفرق طرق ،
ولا تواصل وتناضل.
فالتعويل على الجماهيرية كثيرًا ليس من مظنة الداعية والمربي ، الذي يعمل للبعيد ويستشرف المستقبل ، ويفقه التجارب الدعوية ، والسير الإصلاحية ، عبر الأزمان .