فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 92

في المعترك الفقهي تبرز مسائل خلافية غزيرة ، وفقهاء متنافسون في الوصول إلى الحق ، عبر سبقهم إلى الأدلة ، وحسن الفهم والاستدلال وهذا أمر قضاه الله لتفاوت بني آدم ، ولتفعيل نطاق العقل البشري ، حيث يظهر سعة الشريعة ، وسمو الفقه الإسلامي ، الذي يربي على التفكير وحسنه ، والتأمل والبراعة فيه ، ويرقي الإنسان في مدارك الكمال الديني والفكري .

وينبغي أن تفهم (رسالة الفقهاء الأربعة) ، وما زاد عليها من تعدد المذاهب الفقهية الإسلامية التي تنتهج الدليل ، وتتجرد في طلب الحق .

ومن وعي الرسالة الفقهية ، توسيع نطاق الفهم، واستيعاب أدبيات الخلاف ، واحترام الآراء المباينة لنا ، ومن وعي الرسالة هجران التشدد والتشديد في الاختيار وإفتاء الناس .

ولهذا قُيِّدت الآبدة هنا: وهي حرص بعض الأشياخ على التشدد والتشديد في الفتيا والاجتهاد ، زاعمين أن ذلك هو الاتباع ، وحسن الفهم ، وقفو السلف .

فتراهم في فتاويهم يختارون أوعرَ الطرق ، وأصعب المسالك ، وأشق الاجتهادات مشددين على أنفسهم وعلى الناس ، وربما كان مرد ذلك أسبابًا علميًا ونفسية وسلوكية .

أما العلمية: ظواهر بعض النصوص ، المؤكدة لقضيةٍ ما ، دون الالتفات إلى صوارفها ومخارجها، ومقاصدها , والعمل بالحسم الشرعي القاطع في كل مسائل الخلاف.

أما النفسية: فميلان تلك الروح لسجية التشدد والعنت ، والأخذ بالعزائم مطلقًا ، فما يمكن جعله مكروها ، وليس فيه نص قاطع ، يقضون بحرمته . وما كان سنة فعله , وتتناوله النصوص ومقاصد الشريعة ، يُجعل واجبًا مؤكدًا ، وحقًا مقضيًا !!

وأما السلوكية: فيرى أصحاب هذا المسلك أنه الأقوم للتدين ، وتستطيبه نفوسهم، وتحتمله أرواحهم، ويريدون تعميمه على الآخرين .

وعلى كلٍ ، فهذا المسلك وإن صحت فيه نوايا بعضهم إلا أنه ليس بحسن، لأنه خلاف الجادة ، فليش التشدد هو الدين ، بل قد يكون حمقًا وجهالة ، وتنطعا يعود بعوائد قاهرة لحامليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت