فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 92

الفكر الإسلامي ليس جامدًا ولا متحجرًا ، بل إنَّه ثر متجدد ، يعيش عصره، ويخدم المصلحة الشرعية أينما كانت .

أصوله ثوابت لا تتغير ، أما فروعه ، فإنها تتجدد بتجدد البيئات والأحوال كما هي نظرة فقهاء الشريعة ومفكري الأمة .

ليس عيبًا أن يتجدد نظر الفقيه ، وأن يتطور فقهه من خلال العمق الشديد في الشريعة ، والظفر بمزيد من النصوص الشرعية ، وحسن تطبيقها .

لكن العيب أن يتبدل الفقيه ، وأن يسيء قراءة المسألة ، وفهم المرحلة ، ويأتي باجتهاد منكوس لا يخدم دينًا ولا شريعة ، ولا يقيم له من الأدلة ما يسوغه وتسعفه ، وهذا ما سُمي هنا (بالتبدل) .

جاء في خطاب الخليفة عمر رضي الله عنه لأبي موسي الأشعري رضي الله عنه قوله:

(لا يمنعنك قضاءٌ قضيتَه بالأمس ، فراجعت فيه اليوم عقلك ، وهُديت فيه لرشدك ، أنْ ترجعَ إلى الحق ، فإن الحقَ قديم ، ومراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل) .

نعم إن مسائل الفقه واجتهادات الشريعة ، راجعة إلى خبرة الفقيه وبُعد نظره، وعيشه لتلك المرحلة ، فما رآه في سنة ما, قد يتراجع عنه في سنة أخرى ، وما اختاره في بلد قد تتغير في بلد آخر ، لسبب تلك الأسباب الحسنة التي تلاحظ في الحكم الشرعي .

وقد نظمها بعض علماء الشناقطة في بيت واحد:

يختلفُ الحكمُ بخلف المقصدِ

والشخص والحالِ ووقت البلدِ

وما أجمل أن يثبت الشيخ تراجعه ، واختياره الجديد ، في إطار علمي مقنع، تتوافر فيه الأدلة والدواعي ، لئلا يسيء الناس فهمه ، والتعامل معه.

أما التراجع الذي يعني النكوص ، والتحايل على الأدلة ، وإرضاء لأطراف مخصوصة ، فذلك ليس تجددًا ولا اجتهادًا علميًا ، وإنما هو تبدل مذموم، وتغير مأفون ، يكشفه ضعفُ حجته ، وفراره من الحقيقة ، وقلّة ظهوره ، ومواجهته للمخالفين ، واضطرابه في الحديث ، وما يلف به من هزيمة ، وركون لمنائر الدنيا والعياذ بالله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت