وهذا هو (الداعية المتجدد المستبحر) ، الذي يدرك ضرورة استدامة التعلم، وأنه لصيق القراءة والبحث ، ولا يزال يتعلم حتى الموت ، ومع المحبرة إلى المقبرة ، لا يكل ولا ينقطع مهما كثرت الظروف ، واشتعلت الأشغال والصروف.
حضرت مرات مختلفة لبعض المناطق ، وتشوقت لحضور حلقات بعض الشيوخ ، فرأيت (جداول علمية) لبعضهم ، تستغرق أكثر أيام الأسبوع ، وتطالع فيها تنوعًا معرفيًا مذهلًا .
فلما حضرتها ، رأيت الشيخ ، قد اتخذ له قارئًا، يقرأ المتن ، ثم هو يعلق بكلام إنشائي معروف ، عارٍ عن العمق والتدليل ، وحسن التقرير، وربما كان المتن المقروء أكثر من المنطوق من المتحدث ، وهذا شيء عجيب !
ثم هو يصنع نحو ذلك في بقية دروس الأسبوع، وقد أرهق نفسَه بالحضور والمواظبة ، ويتناولها بالشكل الموصوف المكرور حيث لا عمق ولا تحضير ، ولا تجديد ، ولا رصد للمستجدات والمطالعة الجديدة !
وإنما يكتفي ببنائه القديم الرصين ، وبلسنه الحاذق المنطلق .
وفي نظرنا هذا لا يكفي لخدمة الدعوة ، ولا تطوير العلم الشرعي ، الذي ينبغي أن يغص في جوانب الحياة الإنسانية ، وأن تكون شريعتنا الغراء مخرجًا لكثير من المشكلات والمآزق الحديثة .
ولهذا لن يتأتى للعالم الشرعي الإسهام في ذلك إلا بمواصلة القراءة ، وتنظيم الجهد ، وتوزيع الطاقات ، والتواصل مع النوازل ، والتعمق في دراستها ، والإعداد التام في الدروس ، وملامستها للواقع المعاش .
وذا هو الفقيه الذي تبحث عنه الأمة ، وبه تستطيع تجاوز التحديات ، وتحقق مقاصد نبيلة منها:
1-تجديد الفقه ، وتطويره بحيث يصير وافيًا بمتطلبات العصر .
2-تطوير العلم الشرعي ، والخروج به عن التقليدية الناقصة .
3-حل المشكلات المعاصرة ، وما يسمى بالنوازل المتعاقبة .
4-تربية الأجيال على مسلك صون التراث مع فقه الواقع المعاش ، بحيث يحافظ على القديم ، ولا يهمل الجديد ،وهذا هو المسلك الحق الصحيح .