وهو حديثٌ أَخْرَجَه وكيع في الزهد (2/ 68/2) وعنه أحمد (22969) من طريق أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ عن صحابيٍّ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ مرفوعًا بلفظ: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, إِلَّا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» . [1]
وجواب هذا الاعتراض تقدم بعضُهُ في الاعتراض الأول, وجوابُهُ كامِلًا هو:
-أولًا: لم يترُكِ السلفُ صومَ الفضائل عند موافقتها سَبْتًا حتى نتركها, والتركُ وبظنٍ مرجوحٍ لعبادةٍ أمَدُها ساعةٌ من نهار, وتُكفَّر بها السنين ما أظنُّهُ إلا من الظن الذي لا يُغني من الحق شيئًا.
فتكون قاعدةُ: (من ترك شيئًا لله) حُجةً لنا أيضًا, إذِ التركُ ليس لله وإنَّما للظن المرجوح الذي ليس عليه عملُ القرونِ الفاضلة ولا المتأخِّرةِ, وكذا يمكنُ أخْذُ النهي بجَمْعِ النصوص لابدفعها (والجَمْعُ مُقدَّمٌ على الدفع) .
-ثانيًا: تركُ الصوم مع ثبوت سُنِّيَّته بل وعظيمِ أجره, وبلا حُجةٍ غالبةٍ ليس زَيْنًا وإلى الشَّيْن هو أقرب, وكذا فإنَّ هذه القاعدةَ لاتَقوَى على مُقابَلةِ صومِ عَرَفةَ, ذلك اليومِ المشهود إلا بنصٍّ زائدٍ عليها, فالتركُ لايستقيمُ إلا بتعذُّر الجَمْعِ, وهو مُمكنٌ كما أسلفنا.
والتركُ لعظيمِ الأجرِ لايكونُ بقاعدةٍ عامة, والنصُّ الخاصُّ وعملُ السلف بخلافها, فصومُ عَرَفةَ أخصُّ من النهي عن السَّبْتِ, فيُخَصِّصُهُ.
-ثالثًا: إناطةُ الثواب العظيم بالصوم لابتركه: فاللهُ علَّقَ تكفيرَ السنين بالصوم لابتركه, وكذا قد جفَّ القلمُ بشعائرِ ذاك اليومِ:
(1) وخرجه أحمد كذلك في موضعين من مسنده (20617) (26024) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 296) : (رواه كله أحمد بأسانيد ورجالها رجال الصحيح) وقال الألباني في الضعيفة (5) : (وسنده صحيح على شرط مسلم) .