نبيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شيئًا, فبلّغه كما سمع، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامعٍ» . [1] وفي رواية: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» .
ولعله من المناسب ها هنا أن أسوقَ كلامًا لي كنتُ قد كتبتُه في كتابي (مَجمَع الفُراتين في وصف القيامين وإشارة السجدتين) تحت باب (الحديثُ حُجَّةٌ بنفسه) : فقد قلت ثَمَّ: (( فكُلُّ عالِمٍ رَبَّانيٍ -وفي أيِّ مسألةٍ كانت- لانعلم فِقْهَهُ فيها, فيُحْمَلُ مذهبُهُ على النص، إذِ الأصلُ فيهم التسليمُ ولو خالفوا لبيَّنوا، وقد يخفى عليهم ذاك النصُّ أو فِقهُهُ، ولَكَم غابتْ عن الصحابة نصوصٌ ونصوصٌ، فَمَنْ ذا الذي بعدهم يُحيطُ بالدين جَمْعًا أو فَهْمًا؟! فلا يَلزمُ لصحَّة النص أو العملِ بظاهره أنْ نعلمَ قائلًا به، وأمَّا قولُ العالم فلا يستقيم إلاَّ بنصٍّ.
فمثلًا لو أنَّا لانعلم هل أنَّ أبا بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ وعليًا كانوا يصلون الركعتين قبل الفجر أم لا؟؟ فهل يُقال: أنَّ الصحابة والتابعين لم يُصَلُّوا هاتين الركعتين؟! أو يُقال: هما خاصَّتانِ به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعدم ثبوتِهما عن الصحابة؟! ومن ثَمَّ سيُقال لِمَن صلاهما: مَنْ سَبَقَك إليهما؟!.
كلا ثم كلا: فلمَّا نُقِل حضُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهما ولا شُبهةَ فيه، فلا قولَ لأحدٍ مع قوله أو فعله، وأمَّا فِعلُهم فيُحمَلُ على المبادرة والامتثال لا التركِ والإهمال، وكذا فإنَّ اللهَ تعهَّد بحفظ دينه ولم يتعهَّد بحفظ العاملين به.
(1) أخرجَه الترمذي (2657) من حديث ابن مسعود وقال: هذا حديث حسن صحيح، وكذا ابن حِبَّانَ (66) وابن ماجه (232) وأحمد (4157) وأمَّا أبو داود (3660) وابن ماجه (230) والترمذي (2656) وأحمد (21630) فمن حديث زيد بن ثابت، وعند أحمد (13374) وابن ماجه (236) من حديث أنس، وأخرجَه أحمد (16784) وابن ماجه (231) والحاكم في مستدركه (294) من حديث جبير بن مطعم. والحديث في لقط اللآليء المتناثرة في الأحاديث المتواترة (48) عن ستة عشر صحابيًا، وقال محققه: (أورده السيوطي في الازهار المتناثرة عن ستة عشر نفسا .. وذكر ابن منبه في تذكرته أنه رواه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة وعشرون صحابيًا ثم سرد أسماءهم) وجمع طرقه الأربع والعشرين الشيخ عبد المحسن العباد في جزء له.