ومثالُهُ النهيُ عن صوم عَرَفةَ لمن كانَ بعَرَفةَ -على فرض صحةِ الحديث- [1] فلا يمكن أنْ يجتمع للحجيج صومٌ وإفطارٌ في يوم واحد, ولكنْ يمكن أنْ يكون النهيُ فيه للحُجَّاج والحضُّ عليه لغيرهم.
ولعلَّ من أمثلته أيضًا حديثَ آلِ بُسْرٍ: فلايُصامُ السبتُ مُطلقًا, ولكنْ لعمومه خُصَّ بالفرض وأيامِ الفضائل وما له سببٌ, وتأيَّد هذا بفعل السلف, إذ لم يكونوا يتركون الفضائل إنْ وافقت سَبْتًا, فيبقى عمومُهُ فيما سوى هذه المُخَصِّصات أي في التطوع المطلق وقَصْدِ السَّبْتِ لأيِّ أمرٍ واللهُ أعلَمُ.
والقسم الثاني هو ما وصفه المناويُ فقال: (وقسمٌ إنَّما نهى عن تخصيصه: كيوم الجُمُعَةِ وبعد النصف من شعبان فهذا النوعُ لو صيم مع غيره لم يُكره, فإنْ خُصَّ بالفعل نُهي عنه سواءٌ قَصَدَ الصائمُ التخصيصَ أم لا, اعتقد الرجحانَ أم لا) انتهى.
قلت: وعلى مذهبِ كثيرٍ من العلماء يُلحقونَ السبتَ في هذا القسم: فلو صيم مع غيره جاز, وإلا فلا.
ومِمَّا تقدَّم: فأيامُ الأسبوع أوعيةٌ للفضائل, والفضائلُ محتواها, فأحيانًا يكون الأمرُ والحضُّ أوِ النهيُ مُتوجِّهًا وواقعًا على المحتوى, وأحيانًا على أوعيتها.
ومِن أدلة ذلك ما أَخْرَجَه البُخَارِي (2006) ومسلم (1132) من حديث ابن عباس أنَّه قال: «ما رأيتُ النبيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتحرَّى صيامَ يومٍ فضَّله على غيره إِلاَّ هَذَا الْيَوْمَ, يومَ عاشوراءَ, وهَذَا الشَّهْرَ يعني شهرَ رَمَضَانَ» .
فهاهنا نبيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتحرَّى المحتوى وليس الوعاءَ فلا فرقَ عنده بين أنْ يَحِلَّ المحتوى أي الفضيلةُ في الخميس أوِ السَّبْتِ إذِ الحُكْمُ والسياقُ للفضيلة وليس لوعائها, فالفضيلةُ هي يومُ
(1) لشيخنا علي الحلبي جزءٌ في تخريج هذا الحديث ألحقه بدُبُر كتابه (زهر الروض) انتهى فيه إلى تحسينه.