وإنْ قيل: قد حَكَمَ الحافظُ ابنُ حجر عليه بأنه مقبولٌ! وهذا يعني أنَّهُ ليِّنٌ ما لم يُتَابَع؟! كما عرَّف هو المقبولَ عنده في مُقدِّمَة تقريبه؟!.
فأقول: بحثُنا هذا في مُرادِ ابنِ المديني لا في مُرادِ ابن حجر، وكلٌ منهما إمامٌ مُعتَبَر، ولكن لا يُسلَّطُ حُكمُهُ على حُكم ابن المديني, فهو قد أَخَذَ عن أُناسٍ أدركوا دافِنًَا هذا وعرِفوا حالَهُ وعدالَتَهُ، وقد قال الحافظُ ابنُ حجر في تقريبه في ابن المَديني: (( ... ثِقَةٌ ثَبْتٌ إمامٌ, أعْلَمُ أهلِ عصره بالحديث وعِلَلِهِ، حتى قال البخاريُ: ما استصغرتُ نفسي إلا عند علي ابن المديني، وقال فيه شيخُهُ ابنُ عُيَيْنَةَ: كنتُ أتعلَّمُ مِنْهُ أكثرَ مِمَّا يتعلَّمُ مِنِّي، وقال النَّسائيُ: كأنَّ اللهَ خَلَقَهُ للحديث ) ).
وكذا فالحافِظُ ابنُ حَجَرَ لعلَّهُ حَكَمَ عليه بالقَبول، لِقِلَّةِ روايته, أو بِسَبْرِ حديثِهِ، وأمَّا ابنُ المديني فقد حَكَمَ عليه: بسبْرِ روايتِهِ الموجودةِ بين أيدينا ورواياتٍ لم نَطَّلِع عليها، فَهُمُ الحُفَّاظُ, وأكبرُ من ذلك كُلِّه أنه حَكَمَ عليه بالوسطيَّة وهو يعلم بحاله, لقُرْبِ عَهْدِهِ به, بل وقد أدرك من أدركه وأخذ منه، وهذه ليستْ لابن حجر، فيُحْكَمُ عليه بمعنى الوسطيَّة عند ابن المديني نفسِهِ والتي عرَّفها هو كما نقلناها عنه آنِفًا، ولا يُحمَلُ حُكْمُهُ على حُكمِ ابن حجر، فهذا حُكْمُ أهلِ الأَثَر.
ثم أقول فاصِلًا: والحقُّ أنَّ حكم الحافظ عليه بأنَّهُ مقبول لاينزل إلى التليين, ذلك بأنَّ ابن حجر نفسَهُ قد قَبِلَ حديثَهُ هذا كما في الفتح (10/ 433) والبلوغ (650) فهو مقبولٌ عندهُ مقبول.
وقد تبيَّن لي: أنَّ من قيل فيه: (وسط) فالغالبُ أنَّه صدوقٌ عند الحافِظَينِ الذهبي وابنِ حجر، وأنَّ الوسط والصالحَ عند ابن المديني بمعنى واحد, وأنَّهما بمعنى الصدوق عند غيره من الأئمة، ولاسيَّمَا المتأخرون منهم، بل وهو قد صحَّح حديثَ مَن قال فيه وسط, والله أعلم.
وبما تقدم فكأنَّ الحديثَ حسنٌ, لذلك قال الألباني في الإرواء (960) وقد كانَ ضعَّفه من قبلُ: « ... أَخْرَجَه ابنُ حِبَّانَ والحاكم وقال: إسناده صحيح, ووافقه الذهبي» ثُمَّ علَّق في الهامش