فتارة يثبت الصفات على طريقة السَّلف،
وتارة أخرى يجنح إلى التفويض،
وتارة يميل إلى التأويل كما هو بارز في كتابهِ"دفع شبه التشبيه"الذي أوّل فيه كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة الورادة في صفات الله عز وجلّ.
وكان اضطرابه واختلاف أقوالهِ في هذا الموضوع ناتجًا عن بعض القواعد المجانبة للصواب، والتي بنى عليها اعتقادهُ في الصفات الإلهية.
ومن هذه القواعد ما يلي:
1 -تسميه لأخبار الصفات إضافات، وقررّ أن (ليس كل مضاف صفة) 104،ثم حكم بأنه (قد ابتدع من سمى المضاف صفة) 104.
ولا شك في كون ابن الجوزي تأثر في هذا المصطلح بشيخهِ ابن عقيل؛ إذ هو الذي أُثر عنه استعمال هذا المصطلح اتّباعًا منه للمعتزلة،
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ولابن عقيل أنواع من الكلام، فإنه كان من أذكياء العالم، كثير الفكر والنظر في كلام الناس؛ فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية، وينكر على من يسمّيها صفات، ويقول: إنما هي إضافات موافقة للمعتزلة، كما فعله في كتابه (ذم التشبيه وإثبات التنزيه) وغيره من كتبه، واتبعه على ذلك أبو الفرج بن الجوزي في كتابه (كف التشبيه بكف التنزيه) وفي كتابه (منهاج الوصول) "درء تعارض العقل والنقل 8/ 60.
2 -أن آيات الصفات من المتشابه، فلا ظاهر لها يجب أن تحمل عليه، وقد استقر في ذهنه أن الظاهر هو المألوف عند الخلق فقال: (فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال) 104.
وهذا الرأي باطل، إذ مؤداه إلى القول بعدم الاستفادة من الكتاب والسنة شيئًا من العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
"من قال عن جبريل ومحمد لوات الله وسلامه عليهما، وعن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين والجماعة: إنهم كانوا لا يعرفون شيئًا من معاني هذه الآيات، بل استأثر الله بعلم معناها، كما استأثر بعلم وقت الساعة، وإنما كانوا يقرأون ألفاظًا لا يفهمون لها معنى، كما يقرأ الإنسان كلامًا لا يفهم منه شيئًا، فقد كذب على القوم، والنقول المتواترة عنهم تدلّ على نقيض هذا، وأنهم كانوا يفهمون هذا كما يفهمون غيره من القرآن"الفتاوى 17/ 425.
وقال الشيخ الشنقيطي-صاحب أضواء البيان-:
"آيات الصفات لا يطلق عليها اسم المتشابه ... لأن معناها معلوم في اللغة العربية، وليس متشابهًا، ولكن كيفية اتصافهِ جلّ وعلا بها ليست معلومة للخلق، وإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر الله بعلمه دون خلقه، كانت كيفية الاتصاف داخلة فيه، لا نفس الصفة"مذكرة في أصول الفقه 65.
3 -استعمال التأويل، ظنًا منه أنه أُثر عن الإمام أحمد، وقد سبقت لي الإشارة إلى ذلك عند حديثي عن منهجه العام في العقيدة.
4 -شبهة أن إثبات الصفات يؤدي إلى التجسيم، وقد تأثر في هذا الجانب بما حدث من بعض مثبتة الصفات من غلوّ.
وهذه أيضًا شبهة باطلة ناتجة عن عدم تنزيه الله تعالى واعتقاد صفاته تجسيمًا وتشبيهًا بصفات المخلوقين.
لأن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الله عليه وصفًا حقيقيًا تفصيليًا، يليق بجلالهِ وعظمتهِ، مع الاعتقاد الجازم بأن اله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعالهِ. وهذا الاعتقاد لا يجاوز ما جاء في القرآن والسنة.
هذه أهم القواعد التي -في رأيي- بنى عليها الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- أقوالهُ وآرائهُ في باب (صفات الله تعالى) .
لكنهُ - كما أسلفت - لم يثبت على رأي واحدٍ، فقد كان أحيانًا يخفّف من التأويل إلى القول بالتفويض، اعتقادًا منه أن ذلك الموقف هو الذي يقتضيهِ النصّ، أو هروبًا من التعطيل الذي كان لا يرتضيهِ، ويهاجم أصحاب ذلك المذهب الرديّ وعلى رأسهم الجهمية.
والخلاصة:
أن ابن الجوزي -رحمه الله- لم يتمحّص ولم يثبت على قولِ واحد، كما أن لهُ كلامًا في تقرير عقيدة التوحيد في الأسماء والصفات موافقًا لما أُثر عن السَّلف، وهذا لا يمكن أن نتجاهله، أو نطرحه بسبب ما ورد عنه من الأقوال المخالفة لذلك.
وأشدّد على أن سلوك ابن الجوزي -رحمه الله- هذا الاتجاه -أي مسلك التأويل- ليس من مبدأ انتساب إلى فرقة مبتدعة، ولا استنادًا إلى حججهم العقلية والكلامية المستمدة من غير مناهج المسلمين؛ بل إنهُ أُتي من عدم كونهِ -في هذا الباب- على درجة كبيرة من التحقيق والنظر في كلام الطوائف المناوئة للسنة في باب (توحيد الأسماء والصفات) على وجه الخصوص.
ولهذا نجد لهُ كلامًا في إثبات بعض الصفات يكون غاية في الصحة والصواب، بل قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن لابن الجوزي"ومن الكلام في الإثبات نظمًا ونثرًا ما أثبت به كثير من الصفات"الفتاوى 4/ 169.
ولأهمية هذه المسألة، ودحضًا لشبهات من يصف الشيخ -رحمه الله- بالتجهم، أو بمعادة مذهب السلف والأئمة الأعلام، أرى لزامًا عليّ أن أذكر جُمَلًا من كلام الشيخ -رحمه الله- في الإثبات والتنزيه وافق فيها منهج السَّلف.""
جزى الله الشيخ على بيانه وتفصيله الذي أسكت أهل التلبيسات ممن وصف الشيخ بأنه ينتسب للجهمية أو الأشاعرة أو غيرها من الفرق، وما هذا إلا أنهم أخذوا شيئًا ولم يحكموا على الرجل من جيمع بياناته وكتبه. وهذا حكمٌ عدلٌ موفق.
وما زال للموضوع -أي الصفات- نقطتين أضيفهما إذا سنحت الفرصة وتيسر الوقت ..
ابن الجوزي رحمه الله بين الأئمة الإعلام والمدعو بـ ( http://www.almeshkat.net/vb/archive/index.php/t-17252.html)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)