وحرية الارتداد هنا معناها الوحيد إعطاء الآخرين حرية الإساءة إلى الإسلام وإهانة عقيدته والاحتيال على شريعته، فهل يقبل هذا منطق سليم؟! ...
إن الارتداد قلما يكون أمرًا قلبيًا فحسب، ولو كان كذلك ما أحسّ به أحد.
إن الارتداد في أغلب صوره ستار نفسي للتمرد على العبادات والتقاليد والشرائع والقوانين، بل على أساس الدولة نفسه وموقفها من خصومها الخارجيين، ولذلك كثيرًا ما يرادف الارتداد جريمة الخيانة العظمى، وتكون مقاومته واجبًا مقدسًا. وأية دولة لا تلام على موقفها الصارم من المرتدين يوم يكون موقفهم طعنة لوجودها"."
ب ـ إقرارهم على دينهم وممارسة شعائرهم في معابدهم وفي دورهم وأماكنهم الخاصة. قال الله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز
وكان الخلفاء يوصون قادتهم حين يخرجون للجهاد بما يكفل ذلك ويحفظه، ففي وصية أبي بكر لأسامة بن زيد حين بعثه إلى الشام:"وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له"
وجاء في عهد عمر مع أهل إيلياء"القدس":"هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم، وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم"
وعلى ذلك سار المسلمون في سائر العصور، وما الكنائس والبيع المنتشرة في بلاد الإسلام شرقًا وغربًا منذ دخلها الإسلام إلى اليوم إلا خير شاهد على ذلك.
يقول روبرتسون:"إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وإنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية"
وقال المستشرق الإنجليزي"سير توماس أرنولد":"لم نسمع أية محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي، ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها فرديناند وإيزابيلا دين الإسلام من إسبانيا، أو التي جعل بها لويس الرابع عشر المذهب البروتستانتي مذهبًا يُعاقَب عليه متبعوه في فرنسا، أو بتلك السهولة التي ظل بها اليهود مبعدين عن انجلترا مدة خمسين وثلاثمئة سنة".
ج ـ حقهم في التزامهم بشرعهم والتحاكم إلى أئمتهم وعلمائهم.
فلم يلزموا بدفع الزكاة التي تلزم الأغنياء من المسلمين، لأنهم لا يعتقدون وجوبها، ولم يفرض عليهم الجهاد مع المسلمين وإن كانوا ذميين لهم حق الإقامة والمواطنة.
وفي العقوبات قرر الفقهاء أن الحدود لا تقام عليهم إلا فيما يعتقدون تحريمه كالسرقة والزنى، ولا يعاقبون فيما يعتقدون حله كشرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الربا ونحوها.
وتبعًا لذلك لم يلزموا بالتحاكم إلى المحاكم الشرعية، بل يجوز لهم أن يحتكموا إلى محاكمهم الخاصة بهم، فإن جاؤوا إلينا حكمنا بينهم بالقسط الذي شرعه الله، كما قال ربنا سبحانه: فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين .
ثالثًا: حقهم في حفظ دمائهم وأعراضهم وأموالهم.
فهذه الحقوق كلها محفوظة لهم كحقوق المسلمين فيها بعضهم مع بعض.
والحق في الحياة الكريمة هو الحق الأول للإنسان، وعليه تبنى سائر الحقوق، وبضياعه تنعدم كل الحقوق. ويعتبر حق الحياة مكفولًا بالشريعة لكل إنسان، فلا يجوز قتله بغير حق مسلمًا كان أو غير مسلم. كيف وقد جعل الله تعالى قتل نفس واحدة معصومة كقتل الناس جميعًا، وإحياء نفس واحدة وإنقاذها من الهلاك كإحياء الناس جميعًا فقال تعالى: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا { [المائدة: 32] .
ففي هذه الآية: تغليظ أمر القتل، والمبالغة الشديدة في الزجر عنه، وتوكيد لحق الحياة الإنسانية، حتى لا يضار فيها أحد بغير حق.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)