ومن سافرت وحدها بغير إذنه فناشزة فلا يقسم لها سواءً سافرت لحاجتها أو لحاجته وبإذنه لغرضه لأنن المانع لنفسه منها ولغرضها لحج وعمرة وتجارة لا يقضي لها في الجديد فإذنه يرفع الإثم فقط. ومن سافر لنقلة حَرُمَ أن يستصحب بعضهن فقط ولو بقرعة ولا أن يسافر ويترك الجميه لانقطاع أطماعهن من الوقاع كالإيلاء إلا برضاهن وفي سائر الأسفار الطويلة وكذا القصيرة في الأصح يستصحب بعضهن بِقُرْعةٍ إذا تنازعهن فقد أخرج الشيخان عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرع بين نسائه إذا أراد السفر فأيهنَّ خرج سَهْمُها خرج بها) .
ولا يقضي مدة سفره للمقيمات لأن عائشة ذكرت في حديثها السفر ولم تذكر القضاء ولأن المسافرة اختصت بمشقة السفر فاختصت بالقسم فإذا وصل المقصد وصار مقيمًا أي أقام ونوى الإقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويم الخروج قضى مدة الإقامة للباقيات لا الرجوع في الأصح لأنه من السفر المأذون فيه ومَنْ وهبت حقها من القَسْم لغيرها لم يلزم الزوج الرضا بذلك لأن الاستمتاع بها حق له فلا يلزمه تركه فإن رضي بالهبة ووهبت نوبتها لمعينة بات عندها أي المعينة ليلتيهما كل ليلة في وقتها متصلتين أو منفصلتين وقيل إذا كانتا منفصلتين يواليهما بأن يقدم أو يؤخر ليلة الواهبة أو وهبت لهنَّ سوّى بينهن فيجعل الواهبة كالمعدومة. أو وهبت له فله التخصيص بواحدة منهن وقيل يسوِّي بين الباقيات لأن التخصيص يورث الوحشة والحقد فيجعل الواهبة كالمعدومة. فقد روى الشيخان والشافعي عن ابن عينية عن هشام بن عروة عن أبيه (أن سودة وهبت يومها لعائشة) .
وروى أبوداود والترمذي عن ابن عباس قال: (خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل) .
? فصل في أحكام النشوز ?
ظهرت أمارات نشوزها وعظها بلا هجر وذلك بأن تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بليِّن أو وجد منها إعراضًا وعبوسًا بعد لطف وطلاقة وجه أو كان من عادتها إذا دخل عليها قامت له وخدمته ثم صارت لا تأبه لدخوله أو كان من عادتها إذا دعاها للفراش أجابته باشة مسرورة ثم صارت بعد ذلك تأتيه مُتكرهة. فعندئذ يعظها بلا هجر ولا ضرب فلعلها تبدي عذرًا أو تتوب فإن تحقق نشوز ولم يتكرر وعظ وهجر في المضجع كأن يقول اتقِ الله فإن لم يفلح هجر في المضجع لما في الهجر من أثر ظاهر في تأديب النساء فلا يضاجعها ويغلظ لها في القول ولا يضرب في الأظهر لعدم تأكد الجناية بالتكرر قلت الأظهر يضرب والله أعلم قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) النساء34.
وروى الترمذي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص مرفوعًا (فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح) . وروى الشيخان عن عم بن الخطاب (هجر النبي نساءه شهرًا فلم يدخل عليهن) .
فإن تكرر ضَرَبَ إن علم أن الضرب مفيد في ذلك. قال الإمام الشافعي (لا يضربها ضربًا مبرِّحًا ولا مدميًا ولا مزمنًا ويتقي الوجه) . والمبرِّح: هو الشديد الذي يُخْشى منه تلف النفس أو تلف العضو، والمدمي: الذي يجرح فيُخْرج الدم، والمزمن: أي المتوالي لأن القصد التأديب لا الأذى، ويتقي الوجه: لأنه مجمع المحاسن. وقال الشافعي أيضًا: ولا يبلغ به حدًا.
روى الشيخان عن عبدالله بن زمعة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا يجلد أحدكم امرأتخ جلد العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم ولا يزيد في ضربها على عشرة أسواط ) ) .
فلو منعها حقًا كقَسْمٍ ونفقة ألزمه القاضي توفيَتَهُ إذا طلبته فإن لم يتأهل للحجر عليه ألزم وليَّهُ وذلك إن كان غير مكلفٍ أو محجورًا عليه. فإن أساء خلقه وآذاها بلا سبب نهاه فإن عاد إليه عزَّرَهُ بما يراه مناسبًا وإن قال كلٌ إن صاحبه متعدٍ تعرف القاضي بثقة يَخْبُرُهما أي يعرف حالهما كجار وإن تعذرت المعرفة أسكنهما بجوار ثقة ليتعرف أحوالهما. فإن اشتد الشقاق بعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها وهما وكيلان لهما فقد أخرج عبدالرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال حدثني ابن أبي مليكة (أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة وأن عثمان بعث معاوية وابن عباس ليصلحا بينهما) وفي قول مولَّيَان عن الحاكم لأن الله سماهما حكمين والوكيل مأذون له ليس بِحَكَمٍ ويشهد للأول ما رواه الشافعي والبيهقي وغيرهما عن عبيدة السلماني قال:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)