جمعه بين الصلاتين بعض الأوقات.
.ومن تتبع كتب الصحيحين ونحوها من الكتب المعتمدة ووقف على أقوال الصحابة والتابعين ومن قفا منهاجهم من الأئمة المرضيين قديما وحديثا علم صحة ما أوردناه في هذا الباب.
والمقصود هنا أن المدلول إذا كان وجوده مستلزما لوجود دليله كان نتفاء دليله دليلا على انتفائه، أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلا على عدمه
ومن قال: إن الاسم إنما يتناول ما يتناوله عند الإطلاق في اللغة وأن ما زاده الشارع إنما هو زيادة في الحكم وشرط فيه لا داخل في الاسم كما قال ذلك القاضي أبو بكر ابن الطيب والقاضي أبو يعلى ومن وافقهما على أن الشرع زاد أحكاما شرعية جعلها شروطا في القصد والأعمال والدعاء ليست داخلة في مسمى الحج والصيام والصلاة فقولهم مرجوح عند الفقهاء وجماهير المنسوبين إلى العلم، ولهذا كان الجمهور من أصحاب الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول.
ورابعها أنهم جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك ولا أطاع الله طاعة ظاهرة مع وجوب ذلك عليه وقدرته يكون مؤمنا بالله تام الإيمان سعيدا في الدار الآخرة.
وهذه الفضائح تختص بها الجهمية دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم.
والمتفلسفة أسوأ حالا من اليهود والنصارى، فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء وضلالهم، وبين فجور هؤلاء وظلمهم، فصار فيهم من الجهل والظلم ما ليس في اليهود ولا النصارى حيث جعلوا السعادة في مجرد أن يعلموا الحقائق حتى يصير الإنسان عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود، ثم لم ينالوا من معرفة الله وأسمائه وصفاته وملائكته / وكتبه ورسله وخلقه وأمره إلا شيئا نزرا قليلا، فكان جهلهم أعظم من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم، وكانوا مترددين بين الجهل البسيط والجهل المركب، فإن كلامهم في الطبيعيات والرياضيات لا يفيد كمال النفس وصلاحها، وإنما يحصل ذلك بالعلم الإلهي، وكلامهم فيه لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل.
وليس لمقدميهم كلام في النبوات البتة، ومتأخروهم حائرون فيها، منهم من يكذب بها كما فعل ابن زكريا الرازي وأمثاله مع قولهم بحدوث العالم، أثبتوا القدماء الخمسة وأخذوا من المذاهب ما هو من شرها وأفسدها، ومنهم من يصدق بها مع قوله بقدم العالم، كابن سينا وأمثاله، لكنهم يجعلون النبي بمنزلة ملك عادل فيجعلون النبوة كلها من جنس ما يحصل لبعض الصالحين من الكشف والتأثير والتخيل، فيجعلون خاصة النبي ثلاثة أشياء قوة الحدس الصائب التي يسمونه القوة القدسية، وقوة التأثير في العالم، وقوة الحس التي بها يسمع ويبصر المعقولات متخيلة في نفسه، فكلام الله عندهم هو ما في نفسه من الأصوات، وملائكته هي ما في أنفسهم من / الصور والأنوار، وهذه الخصال تحصل لغالب أهل الرياضة والصفا، فلهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة.
كما يقول كثير من الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي فإن هذا قول الفارابي ومبشر بن فاتك وغيرهما
ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم وبين ضلالهم لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات.
[تكلم عن ابن عربي والسهروردي وابن الفارض وغيرهم]
فلما كان في بعض الأحاديث ذكر بعض الأركان دون بعض أشكل ذلك على بعض الناس فأجاب بعض الناس بأن سبب هذا أن الرواة اختصر بعضهم الحديث الذي رواه وليس الأمر كذلك فإن هذا طعن في الرواة ونسبة لهم إلى الكذب إذ هذا الذي ذكره إنما يقع في الحديث الواحد مثل حديث وفد عبد القيس حيث ذكر بعضهم الصيام وبعضهم لم يذكره وحديث ضمام حيث ذكر بعضهم الخمس وبعضهم لم يذكره، وحديث النعمان بن قوقل حيث ذكر بعضهم فيه الصيام وبعضهم لم يذكره، فبهذا يعلم أن أحد الراويين اختصر البعض أو غلط في الزيادة.
فأما الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيهما كذلك لا سيما والأحاديث قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة وفيهما ما بين قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا تارة وبهذا تارة
فإن براءة نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس
ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يصوم من رمضان ولا يؤدي لله زكاة ولا يحج إلى بيته فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح
وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابا لهم عن التارك
وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب
والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا من حكي عنه في ذلك قولان كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع وفي تخليدهم حتى التزم تخليدهم كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه وفي هذا من الخطأما لا يحصى، وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق كفر أحد من أهل الأهواء وإن كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والاتحاد.
والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفرا فإذا كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته
فإن جحود الصانع لم يكن دينا غالبا على أمة من الأمم قط، وإنما كان دين / الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك، وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس
وكنت أبين أنه مذهبهم وأبين أنه حقيقة مذهب فرعون حتى حدثني الثقة عن بعض طواغيتهم أنه قال: نحن على قول فرعون، ولهذا يعظمون فرعون في كتبهم تعظيما كثيرا، فإنهم لم يجعلوا ثم صانعا للعالم خلق العالم، ولا أثبتوا ربا مدبرا للمخلوقات وإنما جعلوا نفس الطبيعة هي الصانع، ولهذا جوزوا عبادة كل شيء
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)