وأما الدعاء فحفظه بالعربية مما يفسد اللحن معناه، ظاهر أيضا، ولذلك قال الأستاذ أبو سعيد ابن لب: «الدعاء علم لساني، وتعلق قلبي، هما مبناه، وعليهما يدور معناه» .
ثم ذكر عن الخطابي «أن الرياشي قال: مر الأصمعي [1] برجل يقول في دعائه: «يا ذو الجلال والإكرام» ، فقال له: ما اسمك؟ قال: ليث، فأنشأ يقول:
ينادي ربّه باللّحن ليث ... لذاك إذا دعاه لا يجيب» [2]
إلا أن الأستاذ أبا إسحاق الشاطبي رحمه الله تعقب هذا «بأن الحكاية شعرية لا فقهية والاحتجاج بها إلى اللعب أقرب منها إلى الجد.
قال: وأقرب ما فيه أن أحدا من العلماء لا يشترط في الدعاء ألا يلحن كما يشترط الإخلاص وصدق التوجه وعزم 86و / / المسألة وغير ذلك من الشروط» [3] .
قلت: لم يأت الأستاذ بالحكاية على أنها الحجة على اشتراط سلامة الدعاء من اللحن من حيث هي شعرية، بل لجريانها على ما ينبغي في الجملة من السلامة عن ذلك، وحينئذ فلا يرد عليه ذلك التحامل.
وقوله: «وأقرب ما فيه إلى آخره» جوابه: أن الإمام أبا سليمان الخطابي الذي ذكر الأستاذ عنه الحكاية، وهو من علم مقامه في العلماء الجلة، قد قال في صدر كتابه [4] في «شرح الأدعية» ما نصه:
(1) هو عبد الملك بن قريب الباهلي أبو بكر. ت: نحو 216هـ 831م، أديب، لغوي، نحوي، محدث، فقيه، أصولي، من تصانيفه: «كتاب اللغات» و «كتاب الخوارج» و «نوادر الإعراب» .
انظر: طبقات الزبيدي: 174167، والنزهة: 124112.
(2) انظر: مخ تفسير الأسماء والدعوات للخطابي. ص: 5. الخزانة العامة، الرباط رقم: ق: 1142.
(3) انظر: الاعتصام: 1/ 367.
(4) المراد كتابه: «تفسير الأسماء والدعوات» وقد قدم في صدر هذا الكتاب شرحا للدعاء: «معناه، وفائدته، وما محله في الدين، وموضعه من العبادة، وما حكمه في باب الاعتقاد، وما الذي يجب أن ينوب الداعي بدعائه، إلى سائر ما يتصل به من علومه وأحكامه» . وقد أشرنا إليه في الهامش رقم: 2من هذه الصفحة.