قال: [1] وهذا الوجه في الحقيقة ليس بتفضيل لإحدى الرتبتين على الأخرى بل هو نظر في مناط هل يصلح لتنزيل حكم أم لا؟».
قلت: وهذا الطريق هو الأولى بالاعتماد، وفي الاستدلال عليه كفاية لمن أنصف.
وأما الطريق الأول فالجواب عن الأول من دليليه أن العلوم الظاهرة إنما تقطع عن طريق الآخرة إذا أخل صاحبها بشرط العمل، والنظر إنما هو مع الوفاء بهذا الشرط، وإذ ذاك فلا يتصور أنها تصدّ عن طريق الآخرة، وتمنع من حصول الخشية: بين الناس في الأخذ بهذا الشرط تفاوت 67ظ / / ظاهر، فمن العلماء من يعد مجرد العلم هو وسيلة النجاة من غير التفات إلى أن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه.
قال الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي: «وعدم النفع به هو ترك العمل به، قال: ولم تتفاوت مراتب علماء السلف مع علماء الخلف في الوصول إلى هذه الرتبة في الجملة يعني رتبة الولاية إلا لتفاوتهم في العزيمة على أخذهم بهذا الشرط خاصة، ومن أجل ترك كثير منهم لشرط العمل بعلمهم، فوّقت [2] إليهم سهام النقد، وانطلقت فيهم ألسنة العتب، و «أبو حامد» رحمه الله من أشدهم في ذلك مبالغة حتى جعل فقه الفروع والأحكام من علوم الدنيا.
قال: وإنما ذلك لما رأى في أهل زمانه من طلبهم الدنيا: من المال، والجاه لعلم الفروع، والجدل، وغيرهما، مما يقتضي الظهور على الخصوم، والغلبة في المناظرة، فلو أخذوا العلم بشرطه لكانوا هم الأولياء حقا، ولنالوا ما ناله أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» اه.
وقد فهم منه وجه جعل «الغزالي» علوم الفتاوي والأحكام من علوم الدنيا.
(1) أي الشاطبي.
(2) فوقت: صوبت.