وبجانب ذلك نرى كثيرًا من السلف يثبتون"الحد"لله تعالى. كعبد الله بن المبارك [1] - وهو حنفي عند الحنفية - ورواية عن الإمام أحمد [2] .والإمام عثمان الدارمي [3] وغيرهم. فالذين نفوا"الحد"قصدوا المعنى الأول، وهو الباطل الذي يجب نفيه عن الله تعالى، والذين أثبتوا"الحد"قصدوا المعنى الثاني وهو الحق الذي يجب الإيمان به وهو"العلو" [4] .ولكن الطامة الكبرى أن طوائف المعطلة أدخلوا في معنى"الحد"حقًا وباطلًا فنفوها جميعًا فنفوا ضمن نفيهم"للحد"فوقية الله تعالى على عباده وعلوه على عرشه [5] .
قال الإمام الذهبي (748هـ) :
وقد سئل أبو القاسم التيمي رحمه الله: هل يجوز أن يقال: لله حدٌّ أو لا؟ وهل جرى هذا الخلاف في السلف؟ فأجاب: هذه مسألة أستعفي من الجواب عنها لغموضها، وقلة وقوفي على غرض السائل منها؛ لكني أشير إلى بعض ما بلغني، تكلم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة، محصولها أن حد كل شيء موضع بينونته عن غيره، فإن كان غرض القائل: ليس لله حد: لا يحيط علم الحقائق به، فهو مصيب، وإن كان غرضه بذلك: لا يحبط علمه تعالى بنفسه فهو ضال، أو كان غرضه أن الله بذاته في كل مكان فهو أيضًا ضال" [6] ."
وعلق عليه الذهبي قائلًا:"قلت: الصواب الكف عن إطلاق ذلك، إذ لم يأت فيه نص، ولو فرضنا أن المعنى صحيح فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله خوفًا من أن يدخل القلب شيء من البدعة اللهم احفظ علينا إيماننا" [7] .
2 -"الجهة":هذه اللفظة أيضًا من الألفاظ المبتدعة الكلامية المتشابهة المجملة التي يجب التفصيل فيها، حتى يتميز الحق من الباطل، فيقبل الحق ويرد الباطل، وقبل التفصيل لا يحكم عليها نفيًا ولا إثباتًا لئلا ينفى الحق ضمن النفي العام، لأن أهل البدع من طوائف المعطلة ينفون"الجهة"ويريدون بذلك نفي"علو الله تعالى"على عرشه، وفوقيته على خلقه [8] .
وإذا فصلنا في معنى الجهة، علمنا أن"الجهة"تطلق على معنيين: حقٍ، وباطلٍ.
فنظرًا إلى المعنى الباطل يجب نفي الجهة عن الله تعالى، ونظرًا إلى المعنى الحق يجب إثباته لله تعالى.
قال شيخ الإسلام، والإمام ابن أبي العز، والعلامة محمود الآلوسي، وابنه نعمان، وحفيده شكري، وكلهم حنفية غير الأول، واللفظ له:
"فلفظ"الجهة"قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقًا كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما أريد بالجهة ما فوق العالم."
ومعلوم أنه ليس في نص إثبات لفظ"الجهة"ولا نفيه.
كما فيه إثبات"العلو"و"الاستواء"و"الفوقية"و"العروج إليه"ونحو ذلك ... ، وقد علم أنه ما تم موجود إلا الخالق، والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق - سبحانه وتعالى ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى"الجهة": أتريد بالجهة أن شيء موجود مخلوق؟.
(1) رواه أبو داود كما في (( التمهيد ) )لابن عبدالبر (7/ 142) ، والدارمي في (( الرد على بشر المريسي ) ) (ص 24) ، والخلال كما في (( درء التعارض ) ) (2/ 34) .
(2) رواها الخلال كما في (( درء التعارض ) ) (2/ 34) .
(3) انظر (( رد الدارمي على بشر المريسي ) ) (ص 23 - 25) .
(4) (( درء التعارض ) ) (2/ 33 - 35) ، و (( شرح الطحاوية ) )لابن أبي العز (ص 239 - 240) .
(5) راجع: (( شرح الطحاوية ) ) (ص 239) .
(6) (( سير أعلام النبلاء ) ) (20/ 80 - 88) ، و (( البداية والنهاية ) ) (12/ 217) .
(7) (( سير أعلام النبلاء ) ) (20/ 80 - 88) ، و (( البداية والنهاية ) ) (12/ 217) .
(8) (( شرح الطحاوية ) )لابن أبي العز (ص 242) ، و (( روح المعاني ) )للألوسي (7/ 116) ، و (( جلاء العينين ) )لابن نعمان (ص 359) ، (( غاية الأماني ) )لحفيده شكري الألوسي (1/ 447) .