فقد دلت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئًا،
لأنه لو كان شيئًا داخلًا في القياس المعقول - لأن يكون داخلًا في الشيء أو خارجًا من الشيء، فوصفت - لعمري! ملتبسًا لا وجود له وهو دينك، وأصل مقالتك التعطيل" [1] ."
قلت: علق على كلام الكناني هذا شيخُ الإسلام قائلًا:"فهذا عبدالعزيز يبين أن القياس والمعقول يوجب أن ما لا يكون في الشيء ولا خارجًا منه فإنه لا يكون شيئًا وأن ذلك صفةُ المعدوم ... ، وعبدالعزيز هذا قبل وجود الحنبلية ..." [2] .
4 -الإمام أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب (بعد 240هـ) .
الذي أصل ومهد للماتريدية والأشعرية جميعًا. والذي يعدُّ الإمام الأول للأشعرية كما هو الإمام للكلابية بل الأشعري نفسه [3] في دوره الكلابي.
والذي قد أثنى عليه ابن فورك (406هـ) ثناء عاطرًا وغالى فيه مغالاة فوصفه بألقابٍ فخمةٍ وأوصافٍ ضخمةٍ منها ما يلي:
"شيخ أهل الدين""إمام المحققين""المنتصر للحق وأهله""الذاب عن دين الله".
"السيف المسلول على أهل الأهواء والبدع""المؤيد بنصرة الهدى والرشد".
"الشيخ الأول""الإمام السابق""الممهد لهذه القواعد""المؤسس لهذه الأصول"."الفائق لرتق الأباطيل"إلى آخر ذلك الثناء العاطر .. [4] .
فقد قال ابن كلاب هذا:"وأخرج من النظر والخبر قول من قال:"لا في العالم ولا خارج منه فنفاه نفيًا مستويًا، لأنه لو قيل له:"صفه بالعدم".
ما قدر أن يقول فيه أكثر منه، ورد أخبار الله نصًا، وقال في ذلك ما لا يجوز في خبر ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص"."
والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قياسيون.
فإن قالوا:"نعم ليس فوق".
قيل لهم:"وليس هو تحت"؟
فإن قالوا:"لا فوق ولا تحت".
أعدموه؛ لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم"."
قيل لهم:"فهو لا مماس ولا مباين"؟.
فإذا قالوا:"نعم".
قيل لهم:"فهو بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم."
فإذا قالوا:"نعم".
قيل لهم: فأخبرونا عن معبودكم: مماس هو أم مباين؟
فإذا قالوا: لا يوصف بهما"."
قيل لهم:"فصفة إثبات خالقنا كصفة عدم المخلوق."
فلم لا تقولون:"عدم".
كما تقولون للإنسان"عدم"إذا وصفتموه بصفة المعدوم. وقيل لهم:"إذا كان عدم المخلوق وجودًا له، فإذا كان العدمُ وجودًا كان الجهلُ علمًا والعجزُ قوةً" [5] .وقال ابن كلاب أيضًا في الرد على ما يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته"، وجعلهم كالدهرية:"فلم لا كنتم أولى بالكفر والتشبيه منهم؟ إذ زعمتم مثل زعم الملحدين، وقلتم مثل مقالة الضالين، وخرجتم عن توحيد رب العالمين" [6] ."
قلت: وفي كلام ابن كلاب هذا عبرة بالغة للماتريدية والأشعرية وقد علق على كلامه هذا شيخ الإسلام قائلًا:
"والمقصود: أن ابن كلاب - إمام الأشعري، وأصحابه، ومن قبلهم، كالحارث المحاسبي وأمثاله -"
(1) (( درء التعارض ) ) (9/ 118 - 119) ، و (( مجموع الفتاوى ) ) (5/ 317، 295) ، و (( بيان تلبيس الجهمية ) ) (ص 91) ، عن كتاب (( الرد على الزنادقة والجهمية ) )للكناني.
(2) (( درء التعارض ) ) (9/ 118 - 119) ، و (( مجموع الفتاوى ) ) (5/ 317، 295) ، و (( بيان تلبيس الجهمية ) ) (ص 91) ، عن كتاب (( الرد على الزنادقة والجهمية ) )للكناني.
(3) (( درء التعارض ) ) (6/ 121) .
(4) (( درء التعارض ) ) (6/ 121) .
(5) (( درء التعارض ) ) (6/ 119 - 121) ، و (( مجموع الفتاوى ) ) (5/ 317 - 319) ، و (( الصواعق المرسلة ) ) (4/ 1241) و (( اجتماع الجيوش الإسلامية ) ) (ص 282 - 283) ، عن كتاب (( المجرد ) )لابن فورك الذي جمع فيه مقالات ابن كلاب. و (( خرج ) )أولى.
(6) (( الصواعق المرسلة ) ) (4/ 1240) ، عن كتاب (( المجرد ) )لمقالات ابن كلاب لابن فورك.