فإن حقيقة الأمر - على ما يقوله هؤلاء- أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله عز وجل، ولا من طريق سلف الأمة؛ ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقًا له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقًا له في عقولكم فلا تصفوه به ... ؛ هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين؛
وهذا الكلام قد رأيته بمعناه لطائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيد عنه؛
ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدي به في معرفة الله، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- معزول عن التعليم، والإخبار بصفات من أرسله، وان الناس عند التنازل لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول -صلى الله عليه وسلم- بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة، وهم المشركون، والمجوس، وبعض الصابئين ... ؛
وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء:60]
ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين، أو الصابئين أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا به ... ؛
قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:65]
ولازم هذه المقالة أن لا يكون الكتاب هدىً للناس، ولا بيانًا، ولا شفاء لما في الصدور، ولا نورًا، ولا مردًا. عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون: إنه الحق الذي يجب اعتقاده - لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصًا ولا ظاهرًا ... ؛
وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات، ونحو ذلك بقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] ، لقد أبعد النجعة، وهو إما ملغز وإما مدلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين؛
ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة؛
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يومًا من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، واعتقدوا كذا وكذا. فإنه الحق وما خالفه ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه وما لا يوافق فتوقفوا فيه أو انفوه؛ ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن أمته سوف تفترق على ثلاث وسبعين فرقة [1] . فقد علم ما سيكون ثم قال: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله ) )؛
(1) وردت عدة أحاديث في افتراق هذه الأمة وأسانيد بعضها صحيحة راجع (( مرقاة المفاتيح ) ) (1/ 276 - 277) ، (( تخريج المشكاة ) )للألباني (1/ 61) .