قال أبو اليسر:"الأخبار الواردة في أحكام الآخرة من باب العمل فإن العمل نوعان: عمل الجوارح، واعتقاد القلب، فالعمل بالجوارح إن تعذر لم يتعذر العمل بالقلب اعتقادًا".
وذلك عند شرحه لقول فخر الإسلام"وفيه ضرب من العمل أيضًا، وهو عقد القلب عليه، إذ العقد فضل عليه".فظهر أن خبر الآحاد الصحيح قد يفيد اعتقادًا جازمًا في أناس، ولا يفيد البرهان العلمي اعتقادًا في آخرين، فواحد يعتقد اعتقادًا جازمًا بنزول عيسى عليه السلام بمجرد أن سمع حديثًا واحدًا في ذلك من صحيح البخاري مثلًا، وآخر لا يعتقد ذلك ولو أسمعته سبعين حديثًا، وثلاثين أثرًا من الصحاح والسنن والمسانيد والجوامع وسائر المدونات في الحديث مما يحصل التواتر بأقل منها بكثير، فالناجي هو ذاك الواحد دون الآخر) [1] .
ويقول الكوثري أيضًا:(والواقع أن من قال:"إن خبر الواحد يفيد العمل فقط". يريد بالعمل ما يشمل عمل الجوارح، وعمل القلب - وهو الاعتقاد، كما نص على ذلك البزدوي نفسه حيث قال في آخر مبحث الآحاد:"فأما الآحاد في أحكام الآخرة فمن ذلك ما هو مشهور، ومن ذلك ما هو دون ذلك، لكنه يوجب ضربًا من العلم على ما قلنا، وفيه ضرب من العمل أيضًا، وهو عقد القلب ... ، فصح الابتلاء بالعقد كما صح الابتلاء بالعمل بالبدن".
وبذلك يعلم وجه تدوين أخبار الآحاد في كتب الحديث في المغيبات، وأمور الآخرة ... ؛فالآن قد ظهر من يفهم معنى العقيدة، ومن لا يفهمه حقًا، ومن تزبب قبل أن يتحصرم يلقى ما يلقاه من تزعم قبل أن يتعلم .. ) [2] .
وقال الكوثري أيضًا: (والاعتقاد عمل قلبي يؤخذ من خبر الآحاد، كما سبق من فخر الإسلام، فيكون إنكار أخذ الاعتقاد من خبر الآحاد إنكارًا للدليل العقلي المفيد للعلم الموجب للعمل بخبر الآحاد أعم من أن يكون عمل الجوارح، وعمل القلب - وهو الاعتقاد - .. ؛فيعلم أن حفاظ الأمة ما كانوا عابثين في تدوينهم لأخبار الآخرة، والأمور الغيبية في كتبهم، ولا كان الأئمة لاعبين في تدوينهم السمعيات في كتب العقائد) [3] .
قلت: نعمد إلى حجة الماتريدية والكوثري هذه - التي احتجوا بها على منكري نزول عيسى عليه السلام - فنقلبها حجة على الكوثري خاصة والماتريدية عامة، فنقول: لو سلمنا أن أحاديث الصفات أخبار آحاد مجردة، ظنية، لا تفيد إلا العمل، لكن نقول: إن العمل نوعان: عمل الأركان، وعمل الجنان؛ فهي تفيد عمل الجنان، وهو الاعتقاد، فصح أخذ العقيدة من أخبار الآحاد؛ وخبر الآحاد الصحيح قد يفيد اعتقادًا جازمًا لأناس بقوا على فطرتهم السليمة؛ فإن أحدهم إذا سمع حديثًا واحدًا من صحيح البخاري في صفات الله تعالى اعتقده اعتقادًا جازمًا.
أما الذين زاغت قلوبهم، وفسدت فطرهم، وعقولهم بالفلسفة والكلام فإن أحدهم لو أسمعته سبعين حديثًا، وثلاثين أثرًا من الصحاح، والسنن لا يحصل لهم شيء من العلم بل ربما يردها أو يحرفها.
فالآن قد ظهر من يفهم معنى العقيدة فهمًا صحيحًا، ومن تزبب قبل أن يتحصرم يلقى ما يلقاه من تزعم قبل أن يتعلم كما تبين أن أئمة السنة وحافظ الأمة ما كانوا عابثين ولا لاعبين في تدوينهم لأحاديث الصفات وغيرها في كتب العقائد، ولله الحمد والمنة،، على أن هدانا إلى السنة،، وله الشكر على أن قتل الكوثري سلاح لسانه، وسيف بيانه وسكين بنانه،، ورده بغيظه برد كيده في نحره،، وهتك مكره وأمره بعجره وبجره،، فهو متناقص مفضوح صريح قتيل ذليل،، بقاله هذا وقيله الآتي عما قليل،،
أرادوا بنا كيدًا فكيدوا بكيدهم ... وزلوا فضلوا لم يجدوا مواليا
المصدر:الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 2/ 69 - 116
(1) (( نظرة عابرة ) ) (ص 87 - 88) ، و (( أصول البزدوي ) ) (ص 158) ، - و (( شرحها كشف الأسرار ) )للبخاري (2/ 377) .
(2) (( نظرة عابرة ) ) (ص 108) .
(3) (( نظرة عابرة ) ) (ص 109 - 110) .