وهكذا قال المبطلون سواء وإن اختلفت جهة إبطال العلم، عندهم من نصوص الوحي فنصوص القرآن لا تفيد علمًا من جهة الدلالة، وهذه لا تفيد علمًا من هذه الجهة ومن جهة السند، وهذا إبطال لدين الإسلام رأسًا. بل ذكر هذه الأحاديث بمنزلة ذكر أخبار المعاد، والجنة، والنار التي شهدت بما شهد به القرآن ... ، وهل يخفى على ذي العقل السليم أن تفسير القرآن بهذه الطرق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال، وشيوخ التجهم، والاعتزال ... وأضرابهم من أهل التفرق، والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالاتٍ وبدعًا؛ وفرقوا دينهم وكانوا شيعًا .. ؛ فإذا لم يجز تفسير القرآن وإثبات ما دل عليه وحصول العلم اليقين بسنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة الثابتة وكلام الصحابة وتابعيهم - أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته؟ .. من كل أعمى أعجمي القلب واللسان بعيد عن السنة والقرآن مغمور عند أهل العلم والإيمان"؟ [1] ."
2 -5 - وقال الحافظ ابن حجر:
(تنبيهان) :
أحدهما: الذي يظهر من تصرف البخاري في كتاب (التوحيد) ، أنه يسوق الأحاديث التي وردت في الصفات المقدسة فيدخل كل حديث منها في باب يؤيده بآية من القرآن بلا إشارة إلى خروجها من أخبار الآحاد، على طريق التنزل في ترك الاحتجاج بها في الاعتقادات، وأن من أنكرها خالف الكتاب والسنة جميعًا.
وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب (الرد على الجهمية) ، بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال:"ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله؛ يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:75] لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ [عمران:28] . وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67] تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ونحو ذلك فلم يزل - أي سلام بن أبي مطيع- يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس" [2] .
6 -وللخطيب البغدادي كلام في مثل هذه المعنى يأتي نص كلامه قريبًا إن شاء الله.7 - 8 ومثله كلام للإمام أبي محمد أحمد بن عبدالله المفضلي المزني (356هـ) . رواه عنه البيهقي بإسناده إليه، وأقره [3] .9 - ولإمام الأئمة ابن خزيمة (311 هـ) كلام مهم أيضًا [4] .10 - وقال ابن القيم: ولهذا كان أئمة السلف يذكرون الآيات ثم الأحاديث كما فعل البخاري ومن قبله ومن بعده، فإن الإمام أحمد وابن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تدل عليه أحاديث النزول والإتيان ونحوها بالقرآن [5] .
الحاصل: أن أخبار الصفات الصحيحة يؤيدها كتاب الله، فهي تفيد العلم اليقيني ويثبت بها الاعتقاد.
الوجه الخامس:
أن نقول: إن أحاديث الصفات لو سلم أنها أخبارُ آحادٍ؛ لكن لا نسلم أنها ظنيةٌ لا تفيد اليقين ولا تثبت بها العقيدة.
(1) (( مختصر الصواعق المرسلة ) ) (ص 455 - 456) ، الطبعة الجديدة و (2/ 344 - 336) ، الطبعة القديمة و (ص 439 - 440) ط/ دار الكتب العلمية.
(2) (( فتح الباري ) ) (13/ 359) .
(3) انظر (( السنن الكبرى ) ) (3/ 3) و (( الأسماء والصفات ) ) (ص 456) ، وسكت عليه الكوثري.
(4) (( ذم التأويل للموفق ) ) (ص 18 عنه) .
(5) (( مختصر الصواعق ) ) (ص 456) ، ط الجديدة و (ص 440) ، ط/ دار الكتب العلمية.