استدلت الماتريدية على إثبات اتصاف الله تعالى بصفة القدرة بإيجاده تعالى وخلقه للمخلوقات، وهي طريقة (دلالة المحدثات) أو (دليل الأفعال) كما استدلوا بطريقة (التنزيه عن النقائص) إلا أن استدلالهم بالطريقة الأولى أقوى وأشهر عندهم، حتى أن كثيرًا منهم لا يذكرون غيرها.
والماتريدي يستدل على ثبوت صفة القدرة بدلالة المحدثات، ويربط ثبوت القدرة بثبوت الاختيار. فالاتساق والحكمة في المعقولات وإيجاد المعدوم وإعدام الموجود، يقتضى ثبوت الاختيار من الفاعل، وإذا ثبت الاختيار ثبتت القدرة، إذا لا اختيار بغير قدرة.
يقول الماتريدي مقررًا هذا:"إن اتساق الفعل المتوالي بلا فساد ... ولا خروج عن طريق الحكمة، يثبت كون المفعول بالاختيار من الفاعل، فثبت أن الخلق كان بفعله حقيقة ..."
وأيضًا أن الله تعالى إذا أنشأ شيء ثم أفناه، وفيه أيضًا ما قد أعاده نحو الليل والنهار، ثبت أن فعله بالاختيار، إذ تحقق به صلاح ما قد أفسده، وإعادة ما قد أفناه، وإيجاد المعدوم وإعدام الموجود، فثبت أن طريق ذلك الاختيار، إذ من كان الذي منه يكون بالطبع لا يجيء منه نفي ما يوجد، وإيجاد ما يعدمه ... وأيضًا إنا قد بينا حدث العالم لا من شيء، وذلك نوع ما لا يبلغه إلا فعل من هو في غاية معنى الاختيار، وما يكون بالطبع فحقه الاضطرار، ومحال أن يكون من يبلغ شأنه إلى إنشاء الأشياء لا من شيء، ثم يكون ذلك بالطبع، مع ما كان وقوع الشيء بالطبع هو تحت قهر آخر، وجعله بحيث يسقط عنه الإمكان، وذلك آية الحدث وإمارة الضعف، جل ربنا عن ذلك وتعالى. مع ما جرى التعارف المتوارث من الخلق بالدعوات والتضرع إلى الله تعالى بالفرج، وأنه قهر كذا ونصر كذا، وأعان فلانًا وخذل فلانًا وأن كل ذي قوة يفعل بقوة أنشأها، ولا ينال شيء من ذلك بالمضطر، ولايرغب فيه، دل ذلك على أن العالم باختياره، فإذا ثبت الاختيار ثبتت له القدرة على الخلق، والإرادة لكونه على ما هو عليه، لأن من لا قدرة له يخرج الذي يكون منه مضطربًا فاسدًا، ولا يملك الشيء وضده. فثبت أن ما كان منه بقدرة كان باختيار، وذلك أمارات الفعل الحقيقية في الشاهد ..." [1] ."
وأما أبو المعين النسفي وعامة الماتريدية، فإنهم يثبتون القدرة بدلالة مطلق الفعل، بدون توسيط الاختيار في الاستدلال، وذلك أن فعل الفاعل لا يكون صادرًا إلا عن قدرة، فالخلق لا يكون إلا من قادر.
وكل من الطريقتين محورهما واحد إلا أن الثانية أقل مقدمات فهي أقرب وأبسط في الاستدلال من الأولى. قال أبو المعين النسفي مقررًا دلالة المحدثات على قدرة الله تعالى:"المفعول كما دل على الفاعل فمطلقه يدل على القدرة ... فإن كل من رأي المفعول ... استدل بكونه مفعولًا على قدرة فاعله عليه" [2] .وقال أيضًا:"فلو لم يكن لله تعالى ... قدرة، لما تصور منه إيجاد هذا العالم البديع، بما فيه من الأجرام العلوية، والنجوم السيارة والأشخاص الحيوانية وحيث حصلت به هذه الأشياء، دل على ان له ... قدرة" [3] .
المصدر:الماتريدية دراسة وتقويمًا تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص247
صفة العلم
(1) (( التوحيد ) ) (ص 44، 45) ، وانظر: (ص 60) .
(2) (( تبصرة الأدلة ) ) (ل 135) ، وانظر: (ل 113، 136، 137) ، (( النور اللامع ) ) (ل 37، 38، 41) ، (( شرح المقاصد ) ) (2/ 81) ، (( سلام الأحكم ) ) (ص 132، 133) ، (( المسايرة ) ) (ص 58، 59) ، (( إشارات المرام ) ) (ص 130 - 136) .
(3) (( التمهيد ) ) (ص 22) .