والذي دفع الماتريدية إلى هذا القول، هو اعتراض المعتزلة عليهم عندما أثبتوا بعض الصفات، بأن إثباتها لله يستلزم تعدد القدماء، إذ أن الصفات غير الذات. فقالت الماتريدية بنفي الغيرية دفعًا لهذا الاعتراض، وقالت بنفي ذاتية الصفات دفعًا لنفي الصفات. يوضح هذا قول أبي المعين النسفي:"وما يزعم المعتزلة أن الله تعالى لو كانت له هذه الصفات لكانت أغيارًا له، وفيه إبطال التوحيد، والقول بأزلية غير الله تعالى كلام باطل، لأن الصفات ليست بأغيار لله تعالى، بل كل صفة لا هي ولا هو ولا غيره، لأن الغيرين موجودان، يتصور وجود أحدهما مع انعدام صاحبه، وذلك في حق ذات الله تعالى وصفاته ممتنع، إذ ذاته أزلية، وكذا صفاته، والعدم على الأزلي محال. فانعدم حد المغايرة، وانعدمت المغايرة، كالواحد من العشرة لا يكون غير العشرة، ولا عين العشرة، لاستحالة بقائه بدونها، أو بقائها بدونه، إذ هو منها، فعدمها عدمه، ووجودها وجوده" [1] .وقال أيضًا:"لا حاجة بنا إلى الاشتغال بتحديد الغيرين، لأن الخصوم هم الذين يريدون نفي الصفات بعلة أنها لو كانت ثابتة، لكانت أغيارًا للذات، فإذا منعناهم من إثبات المغايرة بطلت شبهتهم" [2] .
وهذه المسألة من المغاليط التي ابتدعتها الجهمية حيث استخدموا في مناظراتهم ألفاظًا مجملة حتى يوقعوا الناس في شراكهم فيجذبونهم إلى ما هم فيه من الضلال والاعتقاد الفاسد.
قال الإمام أحمد رحمه الله في رده على الجهمية:"ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر، وهو من المحال."
فقال: أخبرونا عن القرآن أهو الله، أو غير الله ... ؟
فادعى في القرآن أمرًا يوهم الناس. فإذا سئل الجاهل عن القرآن، هو الله، أو غير الله؟ فلابد له من أن يقول بأحد القولين.
فإن قال: هو الله.
قال له الجهمي: كفرت.
وإن قال: هو غير الله.
قال: صدقت، فلم لا يكون غير الله مخلوقًا؟ فيقع في نفس الجاهل من ذلك ما يميل به إلى قوله الجهمي" [3] .والماتريدية لما ألجأتهم الجهمية والمعتزلة إلى هذا القول، أرادوا أن يتخلصوا من هذا الإشكال، فخرجوا بقول ثالث، وهو أن صفات الله لا هي ولا هو ولا غيره. وهو في الحقيقة قول متناقض لا سبيل إلى رفعه [4] ، إذ أنهم بقولهم هذا نفوا مسمى اللفظين مطلقًا."
(1) (( التمهيد ) ) (ص 23) ، (( تبصرة الأدلة ) ) (ل 146 - 151) ، (( بحر الكلام ) ) (ص 16، 17) .
(2) (( النور اللامع ) ) (ل 40، 44) .
(3) (( الرد على الجهمية والزنادقة ) )، ت عميرة: (ص 110) ، و (( ضمن عقائد السلف ) )، ت النشار والطالبي (( ص 73) ، و (( ضمن شذرات البلاتين ) ) (ص 19) .
(4) انظر: (( مقدمة تحقيق كتاب ابن رشد"مناهج الأدلة") )لمحمد قاسم (ص 120) .