وسبب حدوث هذه المسألة: أن الجهمية لما ابتدعت القول بخلق القرآن، قالت بخلق أسماء الله تعالى، إذ أن القول في أسمائه تعالى نوع من القول في كلامه. مما دفعهم إلى القول بأن أسماء الله غيره، وأن الاسم غير المسمى. فذمهم السلف لقولهم هذا"وغلظوا فيهم القول، لأن أسماء الله كلامه، وكلام الله غير مخلوق بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء ... فلهذا يروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، فاشهد عليه بالزندقة. ولم يعرف أيضًا عن أحد من السلف أنه قال الاسم هو المسمى ..." [1] .
ولما كانت الماتريدية تعتقد أن أسماء الله غير مخلوقة، كما أن كلامه غير مخلوق، قابلوا قول الجهمية بأن الاسم غير المسمى، بعدم الغيرية بينهما ولم يتفطنوا لما في لفظ الغير من الإجمال فوقعوا فيما وقعوا فيه. ومنشأ الغلط في المسألة"من إطلاق ألفاظ مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وباطل. فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني وتنزيل ألفاظها عليها ... وبلاء القوم من لفظة الغير، فإنها يراد بها (معنيان) أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بالله، وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقًا. ويراد به مغايرة الصفة إذا خرجت عنها فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره، بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحًا، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أريد أن العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلًا لفظًا ومعنى ..." [2] .والصواب في المسألة التفصيل"فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، واستوى الله على عرشه وسمع الله، ورأى وخلق فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت (الله) اسم عربي، و (الرحمن) اسم عربي، و (الرحمن) من أسماء الله، و (الرحمن) وزنه فعلان، و (الرحمن) مشتق من الرحمة ونحو ذلك، فالاسم ههنا للمسمى ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسمًا أو حتى سماه خلقه بأسماء من وضعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد" [3] .وأما استدلال الماتريدية بقوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: 78] وقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] ... ونحو ذلك من الآيات، على أن الاسم هو المسمى. هو في الحقيقة حجة عليهم،"لأن النبي صلى الله عليه وسلم امتثل هذا الأمر وقال: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم، ولو كان الأمر كما زعموا لقال: سبحان اسم ربي العظيم. ثم إن الأمة كلهم لا يجوز أحد منهم أن يقول: عبدت اسم ربي، ولا سجدت لاسم ربي، ولا ركعت لاسم ربي، ولا يا اسم ربي ارحمني، وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى لا بالاسم" [4] .وأما الجواب عن تعلق الأمر بالذكر والتسبيح بالاسم، فهو:"أن الذكر الحقيقي محله القلب لأنه ضد النسيان، والتسبيح نوع من الذكر، فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان، والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعًا ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما، واجتماعهما فصار معنى الآيتين: سبح ربك بقلبك ولسانك، واذكر ربك بقلبك ولسانك. فاقحم الاسم تنبيهًا على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان، لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله لأن اللفظ لا يراد لنفسه فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح دون ما يدل عليه من المعنى" [5] .
فإطلاق القول: بأن الاسم غير المسمى، أو أنه هو، غير صحيح، بل هو باطل لاحتماله معاني باطلة. والصواب هو التفصيل في المسألة كما تقدم بيانه ... والله تعالى أعلم ...
المصدر:الماتريدية دراسة وتقويمًا تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص 229 - 234
(1) (( الفتاوى ) ) (6/ 186، 187) .
(2) (( بدائع الفوائد ) ) (1/ 17، 18) .
(3) (( شفاء العليل ) )، لابن القيم (ص 277) ، وانظر: (( شرح الطحاوية ) )، لابن أبي العز الحنفي (ص 80) .
(4) (( بدائع الفوائد ) ) (1/ 181) ، وانظر: (( لوامع الأنوار البهية ) ) (1/ 29، 119) .
(5) (( البدائع الفوائد ) ) (1/ 19) .