فهرس الكتاب

الصفحة 738 من 4723

وهو أن الشرع إنما ثبت هذه الدلالة بالعقل، فلو أتى الشرع بما يكذبه العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل، معًا. إذا تقرر هذا، فنقول: كل لفظ يرد في الشرع مما يستند إلى الذات المقدسة بأن يطلق اسمًا، أو صفة لها، وهو مخالف للعقل، ويسمى المتشابه، لا يخلو إما أن يتواتر، أو ينقل آحادًا، والآحاد إن كان نصًا لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله، أو سهوه، أو غلطه، وإن كان ظاهرًا فظاهره، غير مراد، وإن كان متواترًا فلا يتصور أن يكون نصًا لا يحتمل التأويل، بل لابد وأن يكون ظاهرًا، وحينئذ الاحتمال الذي ينفيه العقل ليس مرادًا منه" [1] ."

وهكذا موقفهم من نصوص أخرى في صدور الصغائر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتوبتهم عنها، فهي أيضًا إما أن تُرد وإما أن تحرف فيذكرون قانونهم الكلي قائلين:"... فما نقل عن الأنبياء عليهم السلام مما يشعر بكذب أو معصية، فما كان منقولًا بطريق الآحاد فمردود، وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن، وإلا فمحمول على ترك الأولى، أو كونه قبل البعثة" [2] .قلت: هذا الذي ذكرنا من موقفهم من المتواترات، وأن العقل أصل والنقل فرع فلابد من صرف النقل عن ظاهره، ولا يجوز التمسك بظاهره، هو بعينه موقف الجهمية الأولى والمعتزلة [3] ، بل القرامطة الباطنية من نصوص الشرع. وهذه حقيقة اعترف بها الماتريدية [4] ، ولذلك نرى تأويلات الماتريدية عين تأويلات الجهمية الأولى والمعتزلة [5] .

وللماتريدية وزملائهم الأشعرية موقف آخر أضرّ من الأول مأخوذ من القرامطة الباطنية كما صرح به ابن سينا الحنفي المتفلسف الباطني القرمطي (428هـ) وهو أن نصوص الصفات في الكتب السماوية والأحاديث النبوية ليست جادة في بيان الاعتقاد ولا القصد منها اعتقاد ما تدل عليه من صفات الله تعالى بل القصد منها استدراج العوام المشبهة لأن ذلك أنسب لدعوتهم إلى التنزيه لئلا يتبادروا إلى الإنكار والعناد.

وهذا من الأدلة الواضحة على أن مادة الماتريدية هذه مأخوذة عن الجهمية الأولى بل عن القرامطة الباطنية ابن سينا من الملاحدة والزنادقة.

هذا هو بيان موقفهم من النصوص المتواترات.

المصدر:الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 1/ 540 - 544

فالتأويل والتفويض إذا هما أصل من الأصول المنهجية التي يقوم عليها منهج الماتريدية في تقرير العقيدة وقد صرح الماتريدي بأن النصوص لا تحمل على ظواهرها بل يجب أن تفهم على المعنى الذي يفهمونه ويتصورونه هم من النصوص قال في (التأويلات) :"إن الخطاب قد لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج ولكن على مخرج الحكمة والمعنى" [6] .

(1) (( شرح الإحياء ) ) (2/ 105 - 106) ، انظر من كتب الأشعرية (( أساس التقديس ) ) (ص 72 - 73) ، و (( المسامرة شرح المسايرة ) ) (ص 33) .

(2) انظر (( شرح العقائد النسفية ) ) (ص 140) ، و (( شرح المواقف ) ) (8/ 268) ، (( شرح الشفاء ) ) (2/ 200) ، (( شرح الفقه الأكبر ) ) (ص 93) ، كلاهما للقاري، (( حاشية الكستلي على شرح العقائد ) ) (ص 171 - 172) ، (( النبراس ) ) (ص 455 - 457) ، وانظر من كتب الأشعرية (( المواقف ) ) (ص 361) .

(3) انظر (( شرح الأصول الخمسة ) ) (ص 226) ، و (( متشابه القرآن ) ) (ص 105، 231، 236) كلاهما لعبد الجبار.

(4) انظر: (( شرح المواقف ) ) (2/ 51 - 52) .

(5) انظر (( شرح الأصول الخمسة ) ) (ص 226 - 230) ، و (( متشابه القرآن ) ) (ص 73، 75، 230، 231، 351، 374، 380، 381، 403، 620، 631، 663) .

(6) (( التأويلات ) ) (1/ل 977) دار الكتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت