فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 4723

الجواب: لا نسلم أن الحكمة منحصرة في الشيئين المذكورين فقط - لأن هذه الحكمة راجعة إلى المخلوق، ونحن نثبت حكمة أخرى - غير هذه معها - يعود حكمها إلى الله من حيث إنه يحبها ويرضاها، كما أننا ننكر تسمية الحكمة بالغرض - وعلى فرض التسليم - بحصر الحكمة فيما ذكروه - فإن غاية هذه الشبهة هو أن الله قادر على تحصيل الحكمة بدون هذه الوسائط وقادر على تحصيلها بها، والعدول عن أحد المقدورين إلى الآخر لا يسمى عبثًا إلا إذا كان المعدول إليه مساويًا للآخر من كل وجه أو كان دونه، وهذا ما لا يمكن إثباته، بل الشرع والعقل بخلافه، فإنه لا يمكن أحدًا أن يقول مثلًا: إرسال الرسل وعدم إرسالهم سواء، ومعلوم أن الشيء يكون عبثًا إذا كان لا فائدة منه، أما إذا كان وجود الوسيط سببًا أو شرطًا لحصول شيء لم يكن وجوده عبثًا كوجود آلات الإحساس التي هي شرط لتحصيل الحس، ولا يقول عاقل إن وجودها عبث، فإن وجودها ضروري، وما قال أحد بالعبث في إيجادها، فكذلك يقال في بقية الحكم المعلومة وغير المعلومة لنا [1] .الشبهة الرابعة [2] :

قالوا: لو كانت أفعاله معلقة بالأغراض والحكم ما خلا فعل منها، والمشاهد خلو بعضها عن ذلك، كإيلام الأطفال وخلق الشرور والكفر.

الجواب: لما أثبت أهل السنة الحكمة لم يدعوا علمهم بكل حكمة، وما أورده الأشاعرة غاية ما فيه: عدم علمهم بالحكمة فيما ذكروه، وعدم العلم بالحكمة لا يعني عدمها - وهو واضح - وتمام الإجابة على هذه الشبهة وبالعلم بأن أفعال الله كلها خير، وكل خير فإنه داخل في أسماء الله وصفاته ومفعولاته بالذات وبالقصد الأول، والشر لا يدخل في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهو إنما يدخل في معقولاته بالعرض لا بالذات، وبالقصد الثاني لا الأول دخولًا إضافيًا، وهذا مثل إنزال المطر والثلج وتصريح الرياح والشمس، فهذه كلها خيرات في نفسها وفيها حكم ومصالح وإن كانت شرًا نسبيًا إضافيًا في حق من تضرر بها [3] .

ويلاحظ أن الأشاعرة قد استعملوا لفظ (الغرض) مكان (الحكمة) وهذا الاستعمال غير صحيح لإيهامه الباطل، ثم إن ما ذكر من الأدلة الدالة على إثبات الحكمة لله تعالى كثيرة لا يمكن دفعها، وقد تقدم ذكر شيء منها، وبمعرفتها والتيقن منها تزول الشبهات الواردة من نفاتها، إذ لا قرار للشبهات مع الحق المتيقن الثابت. إلزامات على نفاة الحكمة [4] :

1 -من المعلوم أن الله يستحق الحمد بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالله له الحمد على جميع ما خلقه ويخلقه لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل، فيلزم من نفي الحكمة أن ينفي الحمد معها، إذ الحمد من لوازم الحكمة، والحكمة إنما تكون في حق من يفعل شيئًا لأجل شيء، وعندهم أن الله بخلقه ما ينفع العباد أراد مجرد وجوده لا نفعهم، فكيف يحمد على أصلهم على فعل ليست له فيه حكمة - وهي منفعة العباد -! ويتبين هذا بضرب مثال في فعل العدل وترك الظلم.

فالله تعالى حمد نفسه على فعل العدل وترك الظلم، وعباده المؤمنون يحمدونه على ذلك، وهذه من الحكم، أما الأشاعرة الذين يفسرون الظلم بأنه الممتنع الذي لا يدخل تحت المقدور فيقال لهم:

(1) انظر (( شفاء العليل ) ) (ص: 358 - 359) .

(2) انظر (( المواقف ) )للإيجي (ص: 332) و (( شرح المقاصد ) )للتفتازاني (4/ 301 - 302) .

(3) انظر (( مختصر الصواعق المرسلة ) ) (1/ 218 - 223) و (( شفاء العليل ) ) (ص: 365) و (( طريق الهجرتين ) ) (ص: 238 - 244) . وانظر كلام الغزالي في (( المقصد الأسنى ) ) (ص: 64 - 66) عند شرحه لاسمي (الرحمن الرحيم) وجوابه عن الشبهة.

(4) انظر هذه الإلزامات في (( طريق الهجرتين ) ) (ص: 208 - 209) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت