وبهذا الاعتبار الأخير أي الجهة العدمية لا يجوز أن ينفي عن الله تعالى الجهة إذ المقصود منها واضح - ولكننا نعبر عنها بما ورد في الشرع من العلو والاستواء. ومثل ما تقدم من الكلام في الجهة، الكلام في الحيز، فيعبرون بقولهم: يستحيل أن يكون الله متحيزًا، فجوابهم: إنهم إذا أطلقوا نفي التحيز يجمعون بين التحيز الوجودي والعدمي، فالتحيز الوجودي هو المفهوم من اللغة، فإذا قيل عن شيء إنه متحيز فمعناه أنه يوجد شيء يحوز غيره [1] ، والله تعالى لا يحوزه شيء، إذ ما تم إلا الخالق والمخلوق، وقد علم بصريح العقل أن الله لا يحل في خلقه ولا يحله شيء من خلقه - فإذا كان ذلك كذلك واستحال أن يوصف بجهة السفل - كما يوافق الأشعرية على ذلك - لم يبق إلا أن يوصف بالعلو. وأما التحيز العدمي - فهذا ما يطلقونه - كما هو الشأن في العالم، فقد يقولون إن العالم متحيز - مع أنه ليس داخلًا في عالم آخر - وعليه فإن الحيز هنا أمر عدمي - والعدم ليس بشيء، فإذا كان ذلك كذلك فإن الله تعالى - بهذا الاعتبار - منحاز عن خلقه [2] . ولكن كما تقدم وجب إطلاق كلمة الاستواء والعلو - لا الحيز - ولكنهم لما أرادوا بنفيها نفي الحق الثابت، يمنع نفيها النفي المطلق - والله أعلم. ولكن الأشعرية كغيرهم من المتأولة يطلقون في شأن الباري نفيًا غريبًا أشبه بإنكار وجوده فيقولون:"ليس فوق العرش أو تحته أو يمينه أو شماله أو أمامه أو خلفه ..." [3] ويعبرون كذلك بأنه لا داخل ولا خارجه [4] .
(1) انظر (( القاموس المحيط ) ) (55/ 655) مادة (حوز) ، و (( المعجم الوسيط ) ) (1/ 206) (حوز، الحيز) .
(2) انظر (( نقض التأسيس ) ) (2/ 117 - 119) و (( درء تعارض العقل والنقل ) ) (1/ 253 - 254) و (5/ 58 - 59) و (( تفسير سورة الإخلاص ) )لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 148 - 150) .
(3) (( شرح أم البراهين ) ) (ص: 24) .
(4) انظر (( المواقف في علم الكلام ) ) (ص: 272) .