الصفوية في مرحلتها الثانية: توسعت كثيرًا، وزاد أتباعها بازدياد الإقبال عليها، ودعم موقف تيمورلنك وجماعته التقديسي لها ولشيوخها (ويجب أن ننتبه هنا إلى أن موقف تيمورلنك كان امتدادًا للقناعات الفكرية المنتشرة في مجتمعه، وأنه، بصفته حاكمًا، كان نتيجة، أو انبثاقًا لها) ، وفي العقود الأخيرة من القرن التاسع، في زمن شيخها حيدر بن جنيد بن إبراهيم بن علي بن صدر الدين موسى بن صفي الدين (توفي سنة 893 هـ) بلغت قمة قوتها، حتى استطاع إسماعيل بن حيدر وهو في الرابعة عشرة من عمره أن يؤلف جيشًا من أتباع أبيه يسيطر به على إيران كلها، ثم أعلن نفسه ملكًا على إيران سنة (905هـ) . ولنستمع في ذلك إلى محمد جواد مغنية، يقول: ... هو إسماعيل بن حيدر بن جنيد بن صفي الدين الذي ينتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وهو أول ملوك الصفوية ومؤسس دولتهم، وكان آباؤه وأجداده من العرفاء وشيوخ الصوفية، فلقبوا بلقب (سلطان) ، وما إن أتم إسماعيل العام الرابع عشر من عمره حتى ألف جيشًا من أتباع أبيه ومريديه، وقاده بنفسه للغزو والفتح، وكانت إيران يومذاك موزعة الأطراف بين العديد من الملوك والأمراء ورؤساء القبائل ..." [1] . اهـ."
ويقول كامل مصطفى الشبيبي: ... وسنرى أن فقهاء الشيعة في إيران كانوا من القلة بحيث اضطر الصفويون إلى استقدام فقهاء الشام ليساعدوا في نشر التشيع في بلادهم، وتنظيم الدولة على أساس منه ... [2] . اهـ.
-نقول: في الواقع كان التشيع قد عم كل إيران، ولكنه كان تشيعًا معتدلًا ينتهج المذاهب الفقهية السنية، فاستقدم الصفويون فقهاء الشيعة من الشام، وكانوا نصيريين، ولعل فيهم فقهاء من شيعة جبل عامل (المتاولة) ، إذ الفقه الشيعي كان محصورًا بين هؤلاء وبين الإسماعيلية، على اختلاف بينهما في الأصول والفروع، ولعل متاولة جبل عامل كانوا قد دخلوا في الغلو قبل ذلك.
جاء فقهاء الشيعة الشاميون إلى فارس، ليفقهوا الشيعة بفقه الشيعة، وطبعًا، في تلك الظروف، (بجميع جوانبها) يجب أن يحدث تفاعل وتداخل وتوازن بين الفقه النصيري وجوانب من فقه الإسماعيلية الذين كان لهم وجود، والفقه السني الذي تنتهجه غالبية الشيعة، وكان علماؤه قليلين، وعلمهم ضحلًا بسبب الصوفية. تعلم الشيعة في فارس والعراق فقه الشيعة، وصاروا كلهم من الغلاة، وإن استمروا على تسمية أنفسهم من (المعتدلين) ، يقول آية الله المامقاني [3] ، أكبر علمائهم في الجرح والتعديل: إن ما كان به الغلاة الأقدمون غلاة، أصبح الآن عند جميع الشيعة الإمامية من ضروريات المذهب [4] .ويورد السيد عبد الله بن الحسين السويدي العباسي [5] نصًا عن سجل لنادر شاه (ملك إيران) ، قرئ يوم الخميس (25 شوال 1156هـ) ، يقول: ... ولم يكن في نواحي إيران ولا في أطرافها سب (أي: سب الشيخين والصحابة) ، ولا شيء من هذه الأمور الفظيعة، وإنما حدثت أيام الخبيث الشاه إسماعيل الصفوي ... [6] .
(1) الشيعة في الميزان،) (ص:175) .
(2) (( الفكر الشيعي والنزعات الصوفية ) )، (ص:338) .
(3) محمد حسن بن عبد الله المامقاني، توفي في النجف سنة (1323هـ-1905م) .
(4) الخطوط العريضة،) (ص:42) .
(5) عالم بغدادي متوفى سنة (1174هـ-1761م) .
(6) مؤتمر النجف، ملحق بكتاب (( الخطوط العريضة ) )، (ص:97) .