ويقول الأستاذ كرامة سليمان:(وفي القبة تناولت كتيبًا عن آداب الزيارة، ومما في هذا الكتيب توصية بعدم تقبيل القبر لأنه مخل بالعقيدة الإسلامية، ولكن العادة المترسخة لدى السذج والعوام لم تنصت لهذه النصيحة، وأقبل هؤلاء على الصخور والأحجار التي يعتقدون أنها مُقَدِمَة رأس القبر، يدخلون رؤوسهم وصدورهم في شقوق هذه الصخور ويتمسحون بها، وكثير من هؤلاء الزوار السذج من يغمس إصبعه في زيت مدهنة موضوعة بالقرب من فوهة القبر المزعوم ويمسح بالزيت على سطوح الصخر، ثم يتمسح بهذه السطوح تبركًا، وقد أصبحت السطوح ملساء سوداء من كثرة التمسح بها، وتخفي هذه العادة المستحكمة اعتقادًا بقدسية هذه الشقوق التي أحدثها انفلاق الحجر لولوج النبي هود واختفائه داخلها، إن هذه العادة تجسد الوثنية بعينها.
لِمَ لا تبعد هذه المدهنة؟ ولماذا لا تزال هذه الصخور المشققة الخرافية؟ ولماذا لا يحذر الوعاظ والمرشدون من مغبة هذا السلوك الوثني؟ وإذا كان السكوت على هذه الأعمال المخلة رضا فهاهنا يكمن الخطر).
قلت: لا شك أنه الرضا، وأما ما في الكتب فهو عذر يُقدم لمن انتقد، فيقال هذه الكتب تحذر من ذلك، لكن معظم من يحضرون للزيارة عوام لا يقرءون، ومن يقرأ فليس لديه الوقت للاطلاع على هذا التحذير، ولو قرأ لغلبه ما يرى الناس عليه، بل أن هناك دعوة صريحة إلى ذلك، هي الحقيقة المعبرة عن النفوس، وقد نقل صاحب (بذل المجهود) قصيدة في آداب الزيارة تحتوي على مراعاة ما ذكره الفقهاء، ثم التأكيد على ما في النفوس الذي هو المطلوب بالفعل:
وسلم إذا ما زرته متأدبًا ... على الأنبياء أهل العُلا والتفضل
واقصد غدير الماء ثم اغتسل ... وسبح وحمد ثم كبر وهلل
إلى البئر تلك الحد سلم بها وعج ... إلى ذلك القبر المنيف المحلل
ورد السلام أعني الذي قد ذكرته ... لدى البئر عند القبر مع سورة تلي
وقف حوله مستقبل القبر وانتزح ... قليلًا مع التأديب إذا ذاك وأسأل
ونيل المنى حقق بربع به الورى ... تغاث وللوارد أعظم منهل
والثم ثرى تلك البقاع ممرغًا ... بخديك تعظيمًا وللترب قبل
ولا تسمع للواشي إذا ما نهاك قل ... خلعت عذاري في هواهم وحول
وأزكى صلاة الله ثم سلامه على ... المصطفى المختار مع ذا النبي العلي [1]
ومن مظاهر الوثنية التي تبدو ويلاحظها كل من زار ذلك المكان ويستنكرها، مظهر يدل على اعتقاد خاطئ لدى الكثير من الزوار، مع السكوت عليه وإقراره من القائمين على تلك الزيارة إن لم يكونوا هم يعتقدون ذلك الاعتقاد. يقول الأستاذ صلاح البكري: (يأتي الشخص من العوام القبر ومعه قطعة من الخشب بها خيط ملون من الصوف في نهايته قطعة صغيرة من الحجر، أما القطعة الخشبية فتوضع في الحائط الخارجي للقبة، ولا يُسمح بقذف الخشب في داخل القبة، أما الخيط الصوفي فيجمع ويرطب باللعاب ويقذف في الحائط أو السقف، ولهذا تظهر الحيطان والسقف كأنها مغطاة بطبقة من الورق المزخرف أو زينت بنقوش مختلفة الألوان) [2] ويقول المستشرقان في كتابهما: وهما يتكلمان عن ذلك البدوي الذي ما زال وثنيًا حسب تعبيرهما يقولان: (وهو أو في الغالب هي يحمل في يده وتدًا خشبيًا، وخيطًا ملونًا من الصوف، مربوطًا في نهايته حجر صغير، ويدفع الوتد داخل الحائط الخارجي للقبة أو داخل حدود الصخرة المستديرة المطلية بالأبيض التي تحدد المكان الذي يرقد فيه الجسد، ويبدو أنه غير مسموح بدفع الأوتاد داخل قمة القبة، أما خيوط الصوف فتمضغ في شكل كتل وتخلط باللعاب وتغرز في الجدران والسقف فتصبح الجدران مزينة بشكل مسرف، حتى لتبدو أنها مغطاة بورق حائط ملون أو أثْرَتها رسومات بألوان زاهية) . [3]
قلت: وقد رأيت ذلك بنفسي عند زيارتي للموقع في قبة القبر، وفي القبة التي عند قبر التسلوم، وأخبرني الأخوة المرافقون أن الذين يصنعون ذلك يعتقدون أن من ثبت ما يرمي به حصل على لباس جديد.
ومن مظاهر الوثنية هناك: الحجر الرمادي اللون الصغير الحجم الذي فيه حفرة طبيعية غير عميقة، والذي قد نصب بإحكام في الدرج الواصل بين صخرة الناقة وبين القبر، والذي يزعمون أنه موطئ قدم هود عليه السلام، حيث يمر به الزوار ويمسحونه بأرجلهم تبركًا به، وآثار ذلك واضحة على الحجر.
المصدر:زيارة هود عليه السلام وما فيها من ضلالات ومنكرات لأحمد بن حسن المعلم - ص 112 - 146
(1) (( بذل المجهود ) ) (ص10)
(2) (ص65)
(3) (ص184)