ولا يخفى أن هذه الحركات مخالفة بالبداهة لمقاصد الشرع، ومنافية لحالة المناجاة.
وقالوا: إنَّ المصلي لو لعب بذكره وخصيتيه، بحيث سال منه المذي لا تفسد صلاته. وقال بعضهم: تجوز الصلاة إلى جهة قبور الأئمة بنية مزيد الثواب [1] ، مع أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ) [2] .
وقالوا: يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير عذر وسفر، وذلك مخالف لقوله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة: 238] وقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا [النساء: 103] .
وقالوا: يجوز أن تصلي الصلوات الأربع - أعني الظهر والعصر والمغرب والعشاء - متصلًا بعضها ببعض لانتظار خروج المهدي، مع أن الله تعالى جعل لكل صلاة وقتًا. وقالوا: لا يجوز قصر الصلاة في سفر التجارة دون إفطار الصوم، مع أنه لا فرق بين الصلاة والصوم شرعًا، وقد نص على الفرق ابن إدريس وابن المعلم والطوسي وغيرهم [3] ، وروايات الأئمة تدل على عدم الفرق، ففي كتبهم الصحيحة روى معاوية بن وهب عن أبي عبد الله أنه قال: وإذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت. [4] . وقالوا: مَن كان في سفره أكثر من إقامته - كالمكاري والملاح والتاجر الذي يتردد (بفحص الأسواق) [5] - فله أن يقصر صلاة النهار ويتم صلاة الليل، ولو أقام خمسة أيام في أثناء سفره أيضًا، نص عليه القاضي ابن البراج وابن زهرة وأبو جعفر الطوسي في (النهاية) و (المبسوط) [6] ، مع أن روايات الأئمة التي وصلت إليهم تدل على خلاف ذلك، ولم تفرق بين الليل والنهار، روى محمد بن بابويه في الصحيح عن أحدهما أنه قال:"المكاري والملاح إذا جدّ بهما سفر فليقصرا" [7] ، وروى (محمد) [8] بن مسلم عن الصادق نحوه [9] .وقالوا: إن القصر في صلاة السفر مخصوص بالسفر إلى المسجد الحرام والمدينة المنورة، والكوفة وكربلاء، وهذا عند جمهورهم، وأما المختار لجمع - منهم المرتضى - فهو أن جميع مشاهد الأئمة لها هذا الحكم [10] ، مع أن قوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ [النساء: 101] يدل على جواز القصر مطلقًا، وقد كان الأمير كرم الله تعالى وجهه يقصر صلاته في جميع أسفاره، ورواية ابن بابويه السابقة دالة أيضًا على الإطلاق. وقالوا: إنَّ صلاة الجمعة في غيبة الإمام لا تجب، بل زعم أهل أخبارهم أنها حرام [11] ، وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: 9] من غير تقييد بحضور الإمام.
المصدر:غرائب فقهية عند الشيعة الإمامية لمحمود شكري الألوسي
(1) والروايات في هذا المعنى كثيرة، فقد جعل (شيخ الطائفة) بابًا بعنوان: (فضل الكوفة والمواضع التي يستحب فيها الصلاة منها، وموضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام والصلاة والدعاء عنده) . (( تهذيب الأحكام ) ) (6/ 30) ، ثم أورد روايات عديدة في فضيلة الدعاء والصلاة عند هذا القبر. وأخرج العاملي عن شعيب العقرقوفي:"قلت لأبي عبد الله عليه السلام: من أتى قبر الحسين عليه السلام له من الأجر والثواب؟ قال: يا شعيب ما صلى عنده أحد ودعا إلا استجيب عاجله وآجله، قلت: زدني، قال: أيسر ما يقال لزائر الحسين عليه السلام: قد غفر لك فاستأنف اليوم عملًا جديدًا". (( وسائل الشيعة ) ) (14/ 538) .
(2) رواه البخاري (1330) , ومسلم (530) , من حديث عائشة رضي الله عنهما.
(3) يعني بابن المعلم: المفيد، وينظر كتابه (( المقنعة ) ) (ص 374) ؛ ابن إدريس، (( السرائر ) ) (1/ 234) .
(4) ابن بابويه، (( من لا يحضره الفقيه ) ) (1/ 437) ؛ الطوسي، (( تهذيب الأحكام ) ) (3/ 220) .
(5) زيادة من مختصر التحفة (ص 217) يقتضيها السياق.
(6) ينظر ما قاله (المحقق) الحلي، (( شرائع الإسلام ) ) (1/ 101) , ابن إدريس، (( السرائر ) ) (1/ 246) .
(7) الطوسي (( تهذيب الأحكام ) ) (3/ 215) , العاملي (( وسائل الشيعة(8/ 491) .
(8) في الأصل (عبد الملك) والتصحيح من كتب الشيعة.
(9) الطوسي (( تهذيب الأحكام ) ) (3/ 215) , العاملي (( وسائل الشيعة ) ) (8/ 491) .
(10) قال زين الدين العاملي:"فيتعين القصر إلا في أربعة مواطن: مسجدي مكة والمدينة المعهودين, ومسجد الكوفة والحائر الحسين ...". ويعني بالمكان الأخير (كربلاء) ثم قال:"وألحق بعضهم به مشاهد الأئمة". (( اللمعة الدمشقية ) ) (2/ 333 - 334) , وينظر الرأي نفسه عند (علامتهم) الحلي في (( قواعد الأحكام ) ) (ص83) .
(11) قال الطباطبائي بخصوص صلاة الجمعة:"وفي زمان الغيبة مستحبة جماعة وفرادى، ولا يشترط فيها شرائط الجمعة". (( العروة الوثقى ) ) (1/ 742) , وينظر أيضًا ما قاله زين الدين العاملي، (( اللمعة الدمشقية ) ) (1/ 301) .