من هذا نرى أن الشيخ مغنية في تفسيره يمثل جانب الاعتدال النسبي عند الجعفرية في المنهج والتطبيق، وبالطبع لا يخلو تفسيره من التأثر بعقيدته في الإمامة، فعلى سبيل المثال: نراه ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال:"ذاك القرآن الصامت وأنا القرآن الناطق" [1] ، وناقشنا هذا من قبل [2] . كما نراه يتحدث عن عصمة أهل البيت [3] ، وعن الإمامة وفكرة العصمة [4] . ويتحدث عن المهدي المنتظر في أكثر من موضع [5] غير أنه كان يذكر بعض الأحاديث التي صحت عن طريق أهل السنة.
ويتحدث عن التقية ويقول:"من خص التقية بالشيعة فقط، وشنع بها عليهم، فهو إما جاهل، وإما متحامل".
ويفصل القول في الحديث عن الخمس، ويهاجم أبا سفيان وحفيده يزيد، ذاكرا قول الشاعر:
فابن حرب للمصطفى وابن هند ... لعلي وللحسين يزيد [6]
وفي تفسير سورة آل عمران"الآيات (33 , 37) يضع هذا العنوان:"فاطمة ومريم"، ويذكر تحته حقًا وباطلًا، ويشير إلى أن فاطمة كمريم، وعلي كزكريا، كان كلما دخل عليها وجد عندها رزقًا من عند الله تعالى [7] . وفي تفسير سورة النساء"الآيتين (95، 96) يتحدث عن تفسير الآيتين، وتحت عنوان:"علي وأبو بكر"، يجادل ليصل إلى أفضلية علي بجهاده وعلمه، وفي آخر جدله العقيم يقول: منزلة علي من العلم لا تدانيها منزلة واحد من الصحابة على الإطلاق، وكفى شاهدًا على ذلك ما تواتر عن الرسول الأعظم (( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) ) [8] . وقد حفظ التراث الإسلامي من علم علي ما لم يحفظه لأبي بكر، ولا لغيره من الصحابة.
وفي سورة المائدة: وعند تفسير الآية الثالثة من السورة، تحت عنوان"إكمال الدين وإتمام النعمة"، نراه يتظاهر بأنه يعرض رأي كل من الشيعة والسنة فقط، لينتهي من هذا إلى خلافة علي ! ويشير إلى كتاب (الغدير) ككتاب قيم، وأن هذا الكتاب ذكر رواة حديث الغدير، وهم (120) صحابيًا، (840) تابعًا، (360) إمامًا وحافظًا للحديث، وفيهم الحنفي والشافعي وغيرهما، كل ذلك نقله عن كتب السنة.
وعند تفسير الآية الخامسة والخمسين من السورة إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:55] يذكر كغيره أنها نزلت في علي بن أبي طالب. ثم يعود إلى الغدير عند تفسير الآية السابعة والستين من سورة المائدة أيضًا يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ... [المائدة:67] ويذكر أن الشيعة استدلوا بأحاديث رواها أهل السنة [9] .وعند تفسير الآية الثالثة والثلاثين من سورة الأحزاب: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33] يذكر ما ذهب إليه الشيعة، وبين أدلتهم، محاولا إثبات صحة ما ذهبوا إليه [10] .وفي سورة الشورى، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23] ، يقول عن البحر المحيط: هم علي وفاطمة والحسن والحسين، ويقول أيضًا: ونقل بعض المفسرين رواية، في سندها معاوية، ومؤدى هذه الرواية أن معنى الآية: قل يا محمد لقريش: ناشدتكم الرحم أن لا تؤذوني. ثم أخذ يناقش ليثبت أنها في الأربعة [11] .
هذه بعض الأمثلة التي تبين أثر الإمامة في هذا التفسير، ومع هذا كله فالشيخ مغنية يمثل جانب الاعتدال إلى حد ما في عصرنا الحديث، وتفسيره يبين منهجه الذي يمثل الحق في بعض جوانبه، غير أنه لا يخلو من الغلو والضلال.
المصدر:مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص583
(2) راجع (ص 135) وما بعدها.
(3) انظر (1/ 88) .
(5) انظر (1/ 206) (5/ 57) (5/ 302) .
(6) انظر (3/ 482 - 484) .
(7) انظر (2/ 50 - 51) .
(8) رواه الحاكم في (( المستدرك ) ) (3/ 137) والطبراني في (( الكبير ) ) (11/ 65) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال يحيى ابن معين في (( تهذيب التهذيب ) ) (7/ 427) : لا أصل له. وقال الإمام أحمد في (( تهذيب التهذيب ) ) (6/ 320) : -فيه- أبو الصلت الهروي روى أحاديث مناكير .. أما هذا فما سمعنا به. وقال ابن الجوزي في (( الموضوعات ) ) (2/ 115) : لا يصح من جميع الوجوه. وحكم الألباني بوضعه في (( السلسلة الضعيفة ) ) (2955) .
(9) انظر (3/ 96 - 99) .
(10) انظر (6/ 216 - 218) .
(11) انظر (6/ 522 -523) .