ويقول الحسني أيضا:"والشيء الطبيعى أن تتضاءل تلك الثقة التي كانت للكافي - على مرور الزمن بسبب بعد المسافة بين الأئمة عليهم السلام وبين الطبقات التي توالت مع الزمن بمجيء دور العلامة الحلي: انفتح باب التشكيك في تلك الروايات على مصراعيه بعد أن صنف الحديث إلى الأصناف الأربعة، فتحرر العلماء من تقليد المتقدمين فيما يعود إلى الحديث، وعرضوا مرويات الكافي وغيره على أصول علم الدراية وقواعده، فما كان منها مستوفيًا للشروط المقررة أقروا العمل به والاعتماد عليه، وردوا ما لم تتوفر فيه الشروط المطلوبة. وعلى هذا الأساس، توزعت أحاديث الكافي التي بلغت ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثًا على النحو التالي: الصحيح منها خمسة آلاف واثنان وسبعون حديثًا، والحسن مائة وأربعة وأربعون حديثًا، الموثق ألف ومائة وثمانية وعشرون حديثًا، القوي [1] ثلاثمائة وحديثان, والضعيف تسعة آلاف وأربعمائة وخمسة وثمانون حديثًا [2] . ومما تجدر الإشارة إليه أن اتصاف هذا المقدار من روايات الكافي بالضعف لا يعني سقوطها بكاملها عن درجة الاعتبار، وعدم جواز الاعتماد عليها في أمور الدين، ذلك لأن وصف الرواية بالضعف من حيث سندها، وبلحاظ ذاتها لا يمنع من قوتها من ناحية ثانية كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة، أو بعض الكتب المعتبرة، أو موافقتها للكتاب والسنة، أو لكونها معمولًا بها عند العلماء وقد نص أكثر الفقهاء أن الرواية الضعيفة إذا اشتهر العمل بها والاعتماد عليها تصبح كغيرها من الروايات الصحيحة وربما تترجح عليها في مقام التعارض [3] .والكافي يقع في ثمانية أجزاء تضم الأصول والفروع: فالأصول وهي التي تتصل بالعقائد، تقع في الجزأين الأول والثاني. والفروع في الفقه تقع في خمسة أجزاء، أما الجزء الأخير وهو الروضة، فيقول عنه الدكتور حسين علي محفوظ: لما أكمل الكليني كتابه هذا، وأتم رد مواده إلى فصولها، بقيت زيادات كثيرة من خطب أهل البيت، ورسائل الأئمة وآداب الصالحين وطرائف الحكم وألوان العلم مما لاينبغي تركه، فألف هذا المجموع الأنف، وسماه (الروضة) لأن الروضة منبت أنواع الثمر، ومعدن ألوان الزهر. والروضة على كل حال مرجع قيم وأصل شريف ... إلخ [4] ."
هذا هو الكافي، الكتاب الأول عند الجعفرية، أما الكتب الثلاثة الأخرى فإنها تقتصر على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية، أي أنها تلتقي مع الفروع من (الكافي) . ولذلك عندما نبحث عن أثر عقيدة الإمامة في الكتب الأربعة سندرس أولًا الأصول مع الروضة، ثم نجعل (الفروع) من (الكافي) مع بقية الكتب الأربعة ... فالكافي مملوء بهذا الضلال المضل، وعلى الأخص في الأصول والروضة، وهي الأجزاء التي نبدأ الآن الحديث عنها، وبيان ما بها من ضلال وزيغ تأثرًا بعقيدة الرفض الباطلة، وبما نادى به ابن سبأ اللعين.
أولًا: الجزء الأول من أصول الكافي:
(1) في (( ضياء الدراية ) ): قد يقال للموثق (القوى) لقوة الظن بجانبه بسبب توثيقه، قال المامقاني: وهو وإن كان صحيحًا لغة ولكنه خلاف الاصطلاح. ونقل عن غيره أن القوى هوالمروى الإمامي غير الممدوح ولا المذموم. وعرفه غير أحد من المتأخرين، بأنه ما خرج عن الأقسام المذكورة ولم يدخل في الضعيف. ثم قال: وكيف ما كان عده الأكثر من أقسام الموثق، وبعضهم جعله أصلًا مستقلًا انظر (ص 25) .
(2) ويبقى ثمانية وستون بغير ذكر؟
(3) (( دراسات في الكافي ) ): (ص 129 - 130) وراجع ما كتب آنفًا عن الترجيح وعلى الأخص مخالفة العامة التي لم يشر لها هنا.
(4) (( مقدمة الروضة ) ) (ص 9) .