وقد اعتمد الإمام الهادي يحيى بن الحسين في استنباط فقهه الذي اجتهد فيه، واختاره مذهبًا له على أدلة مروعة عن أسلافه؛ منها ما هو مرسل، ومنها ما هو موقوف، ولم يلتفت إلى الأدلة المروية عند أهل السنة، فيستنبط منها أحكام فقهه، كما فعل أئمة المذاهب الأربعة المشهورون: الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي، ولكنه تجاهلها، بل وأنكر صحتها كما بين ذلك الإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى في كتابه (الغايات) ، ناقلًا عن الهادي يحيى ابن الحسين في ذكر المخالف؛ حيث قال:"ولهم - أي أهل السنة- كتابان يسمونهما بالصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم) ، ولعمري عن الصحة لخاليان"وعقب المهدي على كلام الهادي بقوله: ولعمري إنه - أي الهادي- لا يقول ذلك على غير بصيرة) أو كما قال [1] . وهذا هو ما جنح إليه الإمام المهدي نفسه، وأكد على ذلك بقوله شعرًا:
إذا شئت أن تختار لنفسك مذهبًا ... ينجيك يوم الحشر من لهب النار
فدع عنك قول الشافعي ومالك ... وحنبل والمروي عن كعب أحبار
وخذ من أناسٍ قولهم ورواتهم ... روى جدهم عن جبرائيل عن الباري [2]
كذلك فإن أحمد بن سعد الدين المسوري، المتوفى سنة 1079هـ/ 1668م قد أعلن في رسالته المسماة (الرسالة المنقذة من الغواية في طريق الرواية) التي صنفها سنة 1052هـ"أن كل ما في الأمهات الست لا يحتج به وأنه كذب [3] ؛ وذلك لأن الهادي ومن سار على دربه من الأئمة وأبتاع مذهبه لا يعتدون بها في شيء، لأن رواتها لم يكونوا من الشيعة في اعتقادهم، ولهذا فإنهم يقتصرون على الأحاديث المروية عن أسلافهم وبأسانيدهم، كما أوضح ذلك الإمام عبدالله بن حمزة المتوفى سنة (614هـ/ 1217م) في كتابه (المجموع المنصوري) حينما أجاب على الفقيه عبدالرحمن بن المنصور بن أبي القبائل صاحب (الرسالة الخارقة) بقوله:"
كم بين قولي عن أبي عن جده ... وأبي أبي فهو النبي الهادي
وفتى يقول: حكى لنا أشياخنا ... ما ذلك الإسناد من إسنادي
ما أحسن النظر البليغ لمنصفٍ ... في مقتضى الإصدار والإيراد
خذ ما دنا ودع البعيد لشأنه ... يغنيك دانيه عن الأبعاد [4]
وهذا هو ما ذهب إليه الهادي بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة (822هـ/ 1419م) حينما أراد أن يقنع أخاه محمدًا الذي نبذ التقليد بعد أن ملك زمام الاجتهاد، وعمل بأحكام الكتاب وصحيح السنة، ليعود إلى ما كان عليه من التمسك بالمذهب الهادوي مبينًا له الفرق بين إسناد أسلافه وإسناد أهل السنة، فقال في قصيدته الدالية المشهورة مخاطبا أخاه:
مالي أراك وأنت صفوةُ سادةٍ ... طابت شمائلهم لطيب المحتد
تمتاز عنهم في مأخذ علمهم ... وهم الذين علومهم تروي الصدي
أخذوا مباني علمهم وأصوله ... عن أهلهم من سيد عن سيد
سند عن الهادي وعن آبائه ... لا عن كلام مسدد بن مسرهد
سند عن الآباء والأجداد في ... أحكامهم وفنونهم والمفرد [5] ... ... وللعلامة عبدالله بن علي الوزير:
في كفة الميزان ميل واضح ... عن مثل ما في سورة الرحمن
فاجزم بخفض النصب وارفع رتبة ... للدين واكسر شركة الميزان [6]
(1) (( المنار في المختار من جواهر البحار الزخار ) ) (1/ 352) .
(2) البيت الأخير ورد في (( الرسالة المنقذة من الغواية في طرق الرواية ) )لأحمد بن سعد الدين المسوري منسوبًا للناصر الأطروش بلفظ: وقولهم مسند عن قول جدهم عن جبرئيل عن الباري إذا قالوا
(3) (( بهجة الزمن في أخبار سنة 1052هـ ) ).
(4) (( العقد الفاخر الحسن ) )، (( توضيح المسائل العقلية ) )، (( القول المعقول والمنقول في إيقاظ أهل التكاسل والغفول ) ).
(5) (( الجواب الناطق بالحق اليقين الشافي لصدور المتقين ) ).
(6) (( مقدمة الروض النضير ) ) (1/ 65) .