على أنه قد ولي الإمامة كثيرٌ من الأئمة العاطلون عن أهم شروطها، وهو العلم والعدل. كما ظهر في اليمن عدد من الأئمة في وقت واحد، وذلك كما حدث - على سبيل المثال- في عصر الإمام يحيى بن حمزة، إذ عارضه ثلاثة أئمة آخرون هم: علي ابن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين، والمطهر بن محمد بن المطهر بن يحيى، وأحمد بن علي الفتحي. وقد استدلت الزيدية على حصر الإمامة في الحسنين وفي أبنائهما إلى آخر أيام الدنيا بشروطها المذكورة، وعدم تجويزها في غيرهم ببعض آيات وأحاديث أولوها تأويلًا على مقتضى مذهبهم، بعيدًا عن معنى ظاهر اللفظ وسياق المعنى، وذلك لتطابق عقيدتهم، مخالفين في ذلك الإمامية الذين حصروها في اثنى عشر إمامًا، ومخالفين كذلك الإسماعيلية الذين يعتقدون الستر لأئمتهم من بعد زوال الدولة الفاطمية، ومع هذا، فإنهم - أي أئمة الزيدية- لم يحتجوا بحديث (( الأئمة من قريش ) ) [1] . لأنهم لو أثبتوه حديثًا لبطل حصر الإمامة في أبناء البطنينفقد قال الإمام المنصور القاسم بن محمد المتوفى سنة 1029هـ/ 1620م:"وهذا الحديث غير صحيح، لقول عمر بن الخطاب: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لما شككت فيه) [2] . وسالم المذكور ليس من قريش، ولم ينكر من حضر من الصحابة على عمر، ولو كان الحديث صحيحًا لأنكروا عليه، مع أنه آحادي لا يثبت الاحتجاج به في المسألة؛ لأنها من أصول الدين، وإن ثبت، فهو مجمل بينه خبر الوصي عليه السلام، وهو قوله: (الأئمة من قريش في هذا البطن من هاشم) [3] " [4] وقال المقبلي معبقًا على ما ذهب إليه أبو بكر:"وهذا اعتبار منه محض، ولا شك في أنه اعتبار صالح، نظرًا إلى تلك الحادثة، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الخلق" [5] . ثم ترى أن في بعضها: (( لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان ) ) [6] وفي بعضها: (( الناس تبع لقريش في الخير والشر ) ) [7] ولا يأمر صلى الله عليه وسلم باتباع الشر، وقد تكلف الناس الاستدلال بتلك الأحاديث على أن الإمارة في قريش، وأنها محصورة عليهم، وكان يلزمهم أن القضاء محصورٌ في الأزد، والأذان في الحبشة" [8] ."
على أنه قد تولى الإمامة كثير من الأئمة العاطلين عن أهم شروطها وهو العلم والعدل، كما اجتمع على حكم اليمن عدد من الأئمة في وقت واحد، وذلك على سبيل المثال كما حددت في عصر الإمام يحيى بن حمزة، فقد قام ثلاثة أئمة آخرون معارضون له.
الاحتساب: أما إذا خلت البلاد عند الزيدية من رجل تتحقَّقُ فيه شروط الإمامة كلها أو أكثرها، فإنه كان يقوم رجل على طريق الصلاحية والاحتساب بالنهي عن المنكر بلسانه وسيفه على مراتبه، والأمر بالمعروف بلسانه دون سيفه، وسد الثغور، وتجييش الجيوش للدفع عن المسلمين، وحفظ ضعيفهم، وحفظ الأوقاف، وتفقد المناهل والمساجد والسبل، والمنع من التظالم، ولا يشترط فيه أن يكون علويًا فاطميًا. ويجب على المحتسب أن ينعزل عند ظهور الإمام؛ لأن الإمامة رئاسة عامة لشخص في الدين والدنيا. والفرق بين المحتسب والإمام: أن الإمام يختص بأربع خصال: إقامة الجمع، وأخذ الأموال كرهًا، وتجييش الجيوش لمحاربة الظالمين، وإقامة الحدود على من وجبت عليه، وقتل من امتنع من الانقياد لها. والمحتسب لا ولاية له على شيء من أموال الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز له قبضها إلا أن يأذن له أربابها، ويأمرون بذلك [9] .
المصدر:الزيدية نشأتها ومعتقداتها للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع - ص68
(1) رواه أحمد في (( المسند ) ) (3/ 183) (12923) والنسائي في الكبرى (467) وأبو يعلى (6/ 321) والطبراني (729) والحاكم (4/ 85) (6962) قال المنذري في (( الترغيب والترهيب ) ) (3/ 186) : إسناده جيد, وقال الذهبي في (( المهذب ) ) (6/ 3241) : إسناده صحيح, وقال ابن الملقن في (( البدر المنير ) ) (8/ 532) : رجاله رجال الصحيح, وقال ابن حجر في (( الفتح ) ) (1/ 246) : متواتر, وصححه الألباني في (( صحيح الجامع ) ) (2758) .
(2) أورده صاحب الكشاف في تفسيره وقال ابن حجر في تخريجه لم أجده
(3) لم نجد هذا الأثر
(4) (( الأساس لعقائد الأكياس ) ) (ص 161) .
(5) (( الأبحاث المسددة ) ) (ص 252) .
(6) رواه البخاري (3501) ومسلم (1820) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
(7) رواه مسلم (1819) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(8) (( الأبحاث المسددة ) ) (ص 253) .
(9) (مخطوط مجهول الاسم والمؤلف 73 ورقة موجود في مكتبة الدولة في برلين برقم(4944) .