فهرس الكتاب

الصفحة 1948 من 4723

ومثل للمعاصي الباطنة"بالعجب والكبر والحسد والرياء وما تولد منها من الأخلاق الرديئة".ومثل للمعاصي الظاهرة أو الكبائر الظاهرة"بالزنا والربا وظلم العباد وإيذاء المسلمون وتخويفهم ومكابرة الحق ومعاندة أهله وشرب الخمر ولبس الذهب والحرير" [1] إلخ. ومع ما قدمنا من تكفير الإباضية لمرتكب الكبيرة كفر نعمة لا كفر ملة، فإننا نجد بعضهم يخرج عن هذا المبدأ بل يغالي في خروجه فيعتبر ارتكاب صغيرة من الصغائر شركًا، وهذا هو ما يذكره ابن حزم عن فرقة الحارثية من الإباضية ويعده من حماقاتهم فيقول:"ومن حماقاتهم قول بكر ابن أخت عبدالواحد بن زيد؛ فإنه كان يقول: كل ذنب صغيرًا أو كبيرًا ولو كان أخذ حبة خردل بغير حق أو كذبة خفيفة على سبيل المزاح - فهي شرك بالله وفاعلها كافر مشرك مخلد في النار إلا أن يكون من أهل بدر، فهو كافر مشرك من أهل الجنة وهذا حكم طلحة والزبير رضي الله عنهما عندهم" [2] .وقد رد عليه علي يحيى معمر الإباضي ردًا عنيفًا مدعيًا بأن هذا البكر المجهول النسب الذي لا يعرف إلا بابن أخت عبد الواحد شخص مجهول لا يعرفه الإباضية، وإنما أثبته ابن حزم من الإباضية لأنه - على حد تعبير معمر- لم يجد له مكانًا فوضعه مع الإباضية وكأنه لقيط مجهول، فقد قال ما نصه:"وهذه كما يرى القارئ الكريم ليست من حماقات الإباضية، وإنما هي من حماقات العالم الكبير ابن حزم الأندلسي وللعلماء الكبار حماقاتهم ... إن العالم الكبير أبا محمد بن حزم وهو يصنف المسلمين على فرق يعثر على هذا الرجل فلا يجد له مكانًا، ثم يأتي به يسوقه حتى يجد فراغًا بين صفوف الإباضية فيلقيه هناك ثم ينسبه إليهم ثم يلقي عليهم تبعة حماقاته" [3] .ومهما يكن من رأى علي يحيى في رواية ابن حزم عن الحارثية هؤلاء، فإن ابن حزم يروي عنهم كذلك أن العصاة أهل الحدود يجب استتابتهم بعد إقامة الحد عليهم فإن تابوا تركوا وشأنهم وإن أبوا فيجب قتلهم، وذلك في قوله الآتي:"وقالت طائفة من أصحاب الحارث الإباضي أن من زنا أو سرق أو قذف فإنه يقام عليه الحد ثم يستتاب مما فعل، فإن تاب ترك، وإن أبى التوبة قتل على الردة"وقد رد علي معمر على ابن حزم في ذلك أيضًا فقال:"ولم يذكر أحد أن أئمة الإباضية تجاوزوا حدود الله في إقامة الحد فقتلوا من لا يلزمه القتل. والإباضية لا يحكمون على من لزمه الحد بالردة تاب أو لم يتب، وإسناد هذا القول إليهم كذب عليهم"ثم ذكر أن الشخص المحدود"لا يخلو إما أن يقام عليه الحد بعد اعترافه وإعلانه للتوبة كماعز مثلًا فهذا لا يختلف اثنان في صدق توبته ووجوب ولايته، وإما أن يجب عليه الحد ويقام وهو مصر على معصيته ولا يعلن التوبه مما ارتكب، وهذا لا خلاف بين اثنين من الإباضية في وجوب البراءة منه". والواقع أن مذهب السلف هو أنهم لا يبرأون ممن أقيم عليه الحد ولا يعتبرونه كافرًا، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه والصحابة من بعده يصلون على من مات في الحد بل ويترحمون عليه كما قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (( استغفروا لماعز بن مالك قال الراوي: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك ) ).

(1) (( تلقين الصبيان ) ) (ص123 - 127) .

(2) (( الفصل ) ) (4/ 191) .

(3) (( الإباضية بين الفرق الإسلامية ) ) (ص51) ، والواقع أنه ليس مجهولًا كما تصوره علي معمر فإن هذا الرجل كان من أصحاب الحسن البصري كما ذكر عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت