فهرس الكتاب

الصفحة 1494 من 4723

ثالثًا: مسألة الوجه: لقد وردت آيات قرآنية تشير إلى أن لله تعالى وجهًا مثل قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27] . وقوله تعالى: ... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] . وقد رفض المعتزلة أن يكون لله وجه هو جزء منه؛ لذا أولوا الوجه الوارد في الآيتين، فقالوا: إن المراد بالوجه، هو الذات. يقول القاضي عبدالجبار:"المراد بالوجه في قوله تعالى: ... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] أي: ذاته، والوجه بمعنى الذات مشهور في اللغة، يقال: وجه هذا الثوب جيد، أي: ذاته جيدة ..." [1] .وقال بعضهم: إن كلمة"الوجه"في الآية زائدة، والتقدير، ويبقى ربك [2] .وذهب البعض الآخر منهم إلى أن: وجه الله تعالى هو قبلته أو ثوابه أو جزاؤه [3] .المناقشة: أولًا: يقال لهم: إن تأويلكم الوجه بهذه التأويلات حمل للحقيقة على المجاز، والمجاز لا يمتنع نفيه؛ فعلى هذا لا يمتنع أن يقال: ليس لله وجه، ولا حقيقة لوجهه، وهذا تكذيب صريح لما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما يؤدي إلى هذا، فإنه لا شك في بطلانه [4] .ثانيا: يلزم من حملكم وجه الله على المجاز أن يكون سمع الله وبصره وقدرته وحياته وسائر صفاته؛ مجازًا، لا حقيقة؛ وهذا باطل، فما يؤدي إليه مثله [5] .ثالثا: يقال لهم: إن تأويلكم الوجه بمعنى الذات لم يعرف في لغة من لغات الأمم، وغاية ما تمسكتم به أن قلتم: وجه الرب بمعنى ذاته، لأنه اشتهر في اللغة أن الوجه بمعنى الذات، ونقول: أما قولكم أنه اشتهر في اللغة أن الوجه بمعنى الذات، فهذا مردود، فإن الوجه في اللغة هو مستقبل كل شيء وليس ذاته [6] . ثم هو بحسب المضاف إليه، فإن كان جمادًا محسوسًا؛ فهو أحد جانبيه، وإن كان معنويًا كالنهار فوجهه أوله. يقول ابن عباس:"وجه النهار أوله". وإن أضيف إلى من ليس كمثله شيء كان وجهه كذلك [7] لا يماثله شيء. فلا يلزمنا تشبيه كما تدعون؛ لأنا لم نقل إن وجهه تعالى يماثل شيئا، ولا يلزمنا تعطيل كما لزمكم عندما أولتم الوجه بمعنى الذات. رابعًا: أما زعم من زعم أن الوجه صلة والتقدير ويبقى ربك؛ فجوابه: أن يقال هذا كذب على الله، وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى اللغة، فإن هذه الكلمة ليست مما عهد زيادتها، ولو قيل: إنها زائدة؛ لساغ لمعطل آخر أن يدعي الزيادة في قوله: أعوذ بعزة الله وقدرته، ويكون التقدير: أعوذ بالله، ويدعي معطل ثالث: الزيادة في سمع الله وبصره وقدرته وعلمه، وغير ذلك مما يريد نفيه [8] .

(1) (( شرح الأصول الخمسة ) ) (ص227) .

(2) (( الصواعق المرسلة ) ) (2/ 174) .

(3) (( المقالات ) ) (2/ 65، 218) ، و (( الصواعق المرسلة ) ) (2/ 174) .

(4) (( الصواعق ) ) (2/ 175) .

(5) (( الصواعق ) ) (2/ 175) .

(6) (( المعجم العربي الحديث - لاروس ) ) (ص1276) .

(7) انظر (( الصواعق المرسلة ) ) (2/ 175، 176) .

(8) انظر (( الصواعق المرسلة ) ) (2/ 175) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت