مازح الرشيد أم جعفر فقال لها: كيف أصبحت يا أم نهر، فاغتمت لذلك، ولم تدر ما معناه، فوجهت إلى الأصمعي فسألته عن ذلك، فقال لها: الجعفر: النهر الصغير، وإنما ذهب إلى هذا، فسكنت نفسها.
قال الأصمعي: دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: إني أرقب ليلتي هذه، فقلت: لم، أنام الله عين أمير المؤمنين؟ قال: فكرت بالعشق مم هو؟ فلم أقف عليه، فصفه لي حتى أخاله جسمًا، قال الأصمعي: لا والله ما كان عندي قبل ذلك منه شيء، فأطرقت مليًا ثم قلت: نعم يا سيدي، إذا توافقت الأخلاق المشاكلة، وتمازجت الأرواح المتشابهة ألفيت لمح نور ساطع يستضيء به العقل، وتنير لإشراقه طباع الجناة، ويتصور من ذلك النور خلق في النفس منصبًا نحو جواهرها يسمى العشق. فقال: أحسنت والله، يا غلام، أعطه، وأعطه، فأعطيت ثلاثين درهم.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلت على أمير المؤمنين الرشيد يومًا، فقال: أنشدني من شعرك، فأنشدته: الطويل
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلًا به في العالمين خليل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال خيرًا أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرمًا ... وما لي كما قد تعلمين قليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... ويحقر يومًا أن يقال بخيل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الفتى ... ورأي أمير المؤمنين جميل؟
فقال: لا كيف، إن شاء الله، يا فضل، أعطه مئة ألف درهم، لله در أبيات تأتينا