الأعاجم بمر والرُّوذ فجاء ما لا قِبَل له به، وهو في منزل بمضيعة وقد بلغ الأمر به. فصلى عشاء الآخرة، ودعا ربه، وتضرَّع إليه أن يوفقه ثم خرج يمشي في العسكر مشي المكروب، يتسمع ما يقول الناس، فمرّ بعبد يعجن وهو يقول لصاحب له: أتعجب لأميرنا، يقيم بالمسلمين في منزل مضيعة، وقد جاءه العدو من وجوه. وقد أطافوا بالمسلمين من نواحيهم، ثم اتخذوهم أغراضًا، وله متحوَّل، فجعل الأحنف يقول: اللهم وفّق، اللهم سدّد، فقال العبد للعبد: فما الحيلة؟ قال: أن يُنادي الساعة بالرحيل، فإنما بينه وبين الغيضة فرسخ، فيجعلها خلف ظهره فيمنعه الله بها، فإذا امتنع ظهره بها بعث بمُجَنبتيه اليمنى واليسرى فيمنع الله بهما ناحيتيه ويلقى عدوه من جانب واحد. فخرّ الأحنف ساجدًا ثم نادى بالرحيل مكانه، فارتحل المسلمون مكبين على رايتهم، حتى أتى الغيضة، فنزل في قَبَلها، وأصبح فأتاه العدو، فلم يجدوا إليه سبيلًا إلا من وجه واحد وضربوا بطبول أربعة، فركب الأحنف، وأخذ الراية، وحمل بنفسه على طبل ففتقه وقتل صاحبه، وهو يقول:
إن على كلّ رئيس حقّا ... أن يخضِب الصَّعدة أو تندقّا
ففتق الطبول الأربعة، وقتل حملتها. فلما فقد الأعاجم أصوات طبولهم انهزموا، فركب المسلمون أكتافهم، فقتلوهم قتلًا لم يقتلوا مثله قط. وكان الفتح.
واليوم الثاني أن عليًا لما ظهر على أهل البصرة يوم الجمل أتاه الأشتر وأهل الكوفة بعدما اطمأن به المنزل، وأثخن في القتل، فقالوا: أعطنا، إن كنا قاتلنا أهل البصرة حين قاتلناهم وهم مؤمنين فقد ركبنا حوبًا كبيرًا، وإن كنا قاتلناهم كفارًا وظهرنا عليهم عنوة فقد حلّت لنا غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم، وذلك حكم الله تعالى وحكم نبيّه في الكفار إذا ظهر عليهم. فقال علي: إنه لا حاجة بكم أن تهيجوا حرب إخوانكم، وسأرسل إلى رجل منهم فأستطلع برأيهم وحجتهم فيما قلتم، فأرسل إلى الأحنف بن قيس في رهط، فأخبرهم بما قال أهل الكوفة. فلم ينطق أحد غير الأحنف، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، لماذا أرسلت إلينا؟! فوالله إن الجواب عنا لعندك، ولا نتبع الحق إلا بك، ولا علمنا العلم