قال حميد بن هلال:
كان زيد بن صوحان يقوم الليل، ويصوم النهار، وإذا كانت ليلة الجمعة أحياها، وإن كان ليكرهها إذا جاءت مما يلقى فيها. فبلغ سلمان ما كان يصنع، فأتاه فقال: أين زيد؟ قالت امرأته: ليس ههنا. قال: فإني أقسم عليك لما صنعت طعامًا ولبست محاسن ثيابك. ثم بعث إلى زيد، قال: فجاء زيد، فقرب الطعام، فقال سلمان: كل يا زييد. قال: إني صائم. قال: كل يا زييد لا تنقص أو تبغض دينك، إن شر السير الحقحقة، إن لعينك عليك حقًا، وإن لبدنك عليك حقًا، وإن لزوجتك عليك حقًا، كل يا زييد. فأكل، وترك ما كان يصنع.
عمد زيد بن صوحان إلى رجال من أهل البصرة قد تفرغوا للعبادة، وليست لهم تجارات ولا غلات، فبنى لهم دارًا ثم أسكنهم إياها، ثم أوصى بهم من أهله من يقوم في حاجتهم، ويتعاهدهم في مطعمهم ومشربهم وما يصلحهم، فبينما هم كذلك إذ جاءهم ذات يوم، وكان يتعاهدهم بالزيارة، فلم يجدهم، فسأل عنهم، فقيل: دعاهم ابن عامرٍ بن كريز، وكان على البصرة في عهد عثمان، فخرج مسرعًا حتى وجدهم بسدة ابن عامر، فدخل على ابن عامر قبلهم فقال: ما تريد بهؤلاء القوم؟ فقال: أريد أن أقربهم فيشفعوا فأشفعهم، ويسألوا فأعطيهم، ويشيروا علي فأقبل منهم. قال: كلا، والله لا أدعك تهيل عليهم من دنياك، وتشركهم في أمرك، وتذيقهم حلاوة ما أنت فيه حتى إذا انقطعت شرتك منهم تركتهم، فطاحوا بينك وبين ربهم.
قال سلمان لزيد بن صوحان: كيف أنت يا زيد إذا اقتتل القرآن والسلطان؟ قال: أكون مع القرآن. قال: نعم الزيد أنت إذًا، قال أبو قرة: إذًا أجلس في بيتي. فقال: لو كنت في أقصى تسعة أبيات لكنت مع أحد الفريقين. وكان أبو قرة يكره القتال.