فهرس الكتاب

الصفحة 2029 من 10576

قال: بكوره في إرادته. قيل له: فمن الغراب؟ قال: شدة حذره.

قدم عمارة بن عقيل إلى بغداد، فاجتمع الناس إليه، وكتبوا شعره، وسمعوا منه، وعرضوا عليه الأشعار، فقال له بعضهم: هاهنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر الناس طرًا، ويزعم غيرهم أنه ضد ذلك. فقال: أنشدوني، فأنشدوه:

غدت تستجير الدمع خوف نوى عد ... وعاد قتادًا عندها كل مرقد

وأنقذها من عمرة الموت أنه ... صدود فراق لا صدود تعمد

فأجرى لها الإشفاق دمعًا موردًا ... من الدم يجري فوق خد مورد

هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت وإن لم تودد

ثم قطع المنشد. فقال له عمارة: زدنا من هذا. فوصل نشيده وقال:

ولكنني لم أحو وفرًا مجمعًا ... ففزت به إلا بشمل مبدد

ولم تعطني الأيام نومًا مسكنًا ... ألذ به إلا بنوم مشرد

فقال عمارة: لله دره، لقد تقدم في هذا المعنى جميع من سبقه، على كثرة القول فيه حتى تحبب الاغتراب، هيه، فأنشده:

وطول مقام المرء بالحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد

فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

فقال عمارة: كمل، والله إن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني واطراد المراد، واستواء الكلام فصاحبكم هذا أشعر الناس، وإن كان بغيره فلا أدري.

قال موسى بن حماد: سمعت علي بن الجهم وقد ذكر دعبلًا فكفره ولعنه، وقال: كان قد أغري بالطعن على أبي تمام، وهو خير منه دينًا وشعرًا، فقال له رجل: لو كان أبو تمام أخاك ما زاد على كثرة وصفك له، فقال: إلا يكن أخًا بالنسب، فإنه أخ بالأدب والدين والمروءة، أو ما سمعت قوله في طيئ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت