فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 167

لذا حين تفجرت الأحداث في هذه المناطق كانت المفاجأة صاعقة على النظام الذي لم يستطع البتة السيطرة عليها، لا عبر أجهزة الأمن ولا حتى الجيش. بل أن الحالة التي صار عليها هذا الخط الغاضب أن النظام لم يستطع الدفع بوحدات «الشبيحة» إليه لاستعادة السيطرة .. والأدهى أنه دفع بالمدن الداخلية والساحلية إلى الاحتجاج.

هنا يبدأ الخط الثاني في التحرك الجماهيري ذو الطابع الفردي. إذ أنه خط ذو تركيبة مدينية متنوعة المشارب، وتعج بمراكز القوى، ويصعب، في بلد ذو طبيعة أمنية، أن يتحرك بالسهولة ذاتها التي تحرك بها الخط القبلي - الريفي ذو الحراك الجماعي. لذا ظل الحراك الشعبي، رغم قوته في أحايين كثيرة، فاقدا للقوى المدينية المنظمة. وهذا ينطبق بالدرجة الأساس على مدينة دمشق. أما مدينة حلب، التي ما زالت تحتفظ بقدر كبير جدا من أصالة التركيبة الاجتماعية فيها، فتخوض حربا أمنية طاحنة استهلكت حتى اللحظة نصف أو ثلثي المخزون الأمني للنظام، واستنزفت قدرته على الحراك في مناطق أخرى كخط الفرات.

الخط الثالث الذي تميز بشراسة المواجهات مع السلطة هو الخط الساحلي ممثلا بمدن اللاذقية وبانياس وطرطوس وريفهما. ولعل السبب في ذلك يعود إلى تمركز ديمغرافيا «الشبيحة» والفرقة الرابعة فيها تاريخيا. بينما لم يستطع النظام، مثلا، أن يدفع بهؤلاء إلى خط الفرات وخاصة مدينة درعا التي اضطر إلى مهاجمتها باستعمال القناصة والفرقة الرابعة وكذلك الفرقة الخامسة التي امتنعت عن إطلاق النار على السكان واشتبكت مع الفرقة الرابعة، فضلا عن أنباء تتحدث عن انحيازها، كليا أو جزئيا، إلى جانب السكان.

عسكرة الثورة بشروط

هذه صورة تقريبية لحال الثورة السورية والنظام السياسي. ولو أخذنا بعين الاعتبار مدى الجدوى من اللجوء إلى السلاح فإن السؤال المنطقي سيكون على النحو التالي: في ضوء التجارب الدموية السابقة للنظام، هل سيؤدي حمل السلاح إلى زيادة معدل الخسائر البشرية أم إلى الحد منها؟

لا شك أن الجواب على السؤال لا يكفي للإجابة بنعم أو بلا ما لم تتوفر صورة دقيقة عن شخصية النظام وشخصية المجتمع والبنى الفاعلة فيه أكثر مما قدمنا له. مع ذلك فإن الكفة ما زالت تميل إلى نبذ الفكرة، ليس بسبب دموية النظام بقدر ما يبدو الأمر متعلقا بالحاجة إلى المزيد من: (1) تعرية النظام وإسقاط أوراقه الأمنية والإقليمية والدولية، التي ما زلت تشكل بعض دروع الحماية الفعالة له، و (2) رفع الحصار الأمني الخانق الذي يحول حتى هذه اللحظة دون انعتاق باقي الديمغرافية الاجتماعية وتمكينها من النزول إلى الشوارع كما هو الحال مثلا في مدينة حلب وإلى حد كبير في دمشق، وأخيرا (3) الشعور بامتلاك القدرة على حماية القوى الاجتماعية الفاعلة، على اختلاف مكوناتها، بما يكفي ليس لاستكمال نزع الشرعية عن النظام، فقط، بل ردعه عن استخدام وسائل القوة المسلحة أو تجريده منها. فلو نجحت الثورة في قطع هذه الحواجز، واستمر النظام في دمويته وحماقته فسيكون من المنطقي حينها محاكاته بالطريقة التي يرغب بها. لكن حذار من الوقوع في الفخ الليبي.

نشرت بتاريخ 01 - 05 - 2011

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت