فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 167

كل ما سبق من تحليلات يقع في كفة وحرب الحكومة الصينية على الدين في كفة أخرى. بل أن الطعون المتاحة في التصريحات والأحداث لا تجد لها أي حظ من النجاح إذا ما تعلق الأمر بالدين. فالمسألة هنا تتعلق بإجراءات وبيانات جهرية متلاحقة تناسب الحكومة ذات العقيدة الماركسية مثلما تناسب قومية «الهان» التي تشكل 90% من سكان الصين وذات الطبيعة الدهرية أو الوثنية في أحسن الأحوال. والطريف في بيانات الحزب الشيوعي أنها تتعلل بالجماعات الجهادية لتبرير حملاتها وإجراءاتها القمعية وهو ما ترفضه كل القوى والمنظمات الإغورية. ولا شك أن لهذه الجماعات نفوذ حقيقي على الأرض وتحظى بقبول اجتماعي لا بأس به خاصة وأنها ذات طبيعة عقدية أكثر منها سياسية. لكن نشأتها ليست بمنأى عن الحرب الشعواء التي يتعرض لها السكان كمسلمين ولا عن العقيدة والتراث الإسلامي والديني الذي استبيح بكل شراسة ومهانة من قبل الشيوعيين حتى قبل أن تظهر مثل هذه الجماعات. لذا فإن مشكلة الصينيين كائنة مع مسلمي الإيغور بوصفهم أمة وليس مع جماعات جهادية فقط.

من جهتها تتحدث المصادر التركستانية بإسهاب «مؤلم» ليس عن التضييق الشديد على المسلمين في تركستان فقط بل عن تحقير وضرب في صميم العقيدة الإسلامية عبر التدخل فيما يسمح وما لا يسمح القيام به من الشعائر الدينية! فالعبادات والأحكام والمعتقدات والوعظ والإرشاد وتعلم القرآن والهيأة واللباس واللحى والمناسبات والأعياد الدينية وحتى صلاة التراويح والقيام باتت بيد الشيوعيين ليقرروا فيها، حين يشاؤون، ما يلزم وما لا يلزم القيام به كتدابير وقائية تجاه ما يرونه خطرا على استقرار الإقليم! وكما أورد بيان المركز الإعلامي للحزب الإسلامي التركستاني فقد منعت السلطات الصينية مثلا: «إقامة الشعائر الإسلامية، وأحرقت ملايين الكتب الإسلامية والمصاحف، ومنعت رفع الآذان في المساجد، ومنعت الشباب من أداء الصلاة لمن هو أصغر من 18 سنة، ومنعت النساء من الحجاب الإسلامي وإلا تعرضت للاعتقال والتعذيب» .

الثابت أن الضغط الحكومي لا يتوقف على الإجراءات الداخلية. فهو يشمل حتى الطلبة والمسافرين والمعتمرين والحجاج ويشمل منع إصدار جوازات السفر أو مصادرتها ومنع التنقل. فقد صادرت السلطات جوازات سفر طلاب الجامعات خلال شهر رمضان سنة 2007 ومنعتهم من السفر لأداء فريضة الحج. وفي مقابلة لها مع صحيفة «الشرق الأوسط 10/ 7/2009» قالت ربيعة قدير أن: «كبار رجال الدين و 90 من الطلاب الإيغور الذين درسوا الدين الإسلامي في السعودية ومصر يقبعون الآن في السجون الصينية» . بل أنه ما من شيخ أو عالم في تركستان الشرقية إلا وقضى بعضا من سنين عمره في السجون الصينية.

والحقيقة أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الصينية ضد مسلمي تركستان يمكن إجمالها، نسبيا، إذا ما استعنا بمقالة الكاتب الإيغوري توختي آخون أركن مع بعض التصرف حيث يشير إلى: «منع ممارسة الشعائر الدينية ومعاقبة كل من يقوم بها بموجب القوانين الجنائية ومنع تعليم الدين الإسلامي, وفرض تدريس الإلحاد في المدارس والنوادي والتجمعات ومصادرة المصاحف والكتب الإسلامية. وبلغ ما جمع منها 730 ألف كتاب مطبوع ومخطوط، وإجبار رجال الدين والعلماء على امتهانها وإحراقها في الميادين العامة، ونشر الكتب والمطبوعات المعادية للإسلام ورفع الشعارات والملصقات المسيئة للإسلام وأحكامه وتعاليمه، مثل: الإسلام ضد العلم والإسلام اختراع أغنياء العرب والإسلام في خدمة الاستعمار ... واعتقال العلماء ورجال الدين واحتقارهم وفرض أعمال السخرة عليهم, وقتل من يرفض التعاون معهم وإجبار النساء على خلع الحجاب, وإلغاء العمل بالأحكام الشرعية في الزواج والطلاق والمواريث, وفرض الاختلاط, وتشجيع الزواج بين المسلمين والمسلمات من غير دينهم؛ بغية تخريب العلاقات الأسرية الإسلامية وإغلاق أكثر من 28 ألف مسجد و18 ألف مدرسة دينية, واستخدام المباني الإسلامية كالمساجد والمدارس في أعمال تتنافى مع قيم الإسلام كتحويلها إلى حانات ومخازن ومصادرة أموال الناشطين في العمل الإسلامي سواء كان بالتعليم أو التدريس أو التأليف والترجمة، وهدم بيوتهم ونفيهم من منطقة سكنية إلى الصحراء بعيدًا عن الناس وعن الجماعة ومنع السكان من السفر خارج البلاد وفرض النظام الجاسوسي على أفراد الشعب كله. وللمزيد من الإجراءات» .

أخيرا

هذه بعض «الحقيقة المرة التي أخفتها الصين» عن العالم كما علق مسلم إيغوري على الأحداث. لذا لم يكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يكذب أو يراوغ سياسيا حين أكد في تصريحات لمحطة ( NTV) نقلتها «رويترز 10/ 7/2009» بأن: «الأحداث التي تشهدها الصين لا تعدو كونها أعمال إبادة جماعية» مضيفا بأنه: «لا يوجد فائدة من وصفها بوصف آخر» . ولم يكن ديل شات راشيت المتحدث باسم مؤتمر الإيغور العالمي يبالغ هو الآخر حين علق، من منفاه بالسويد، على «غضب مكبوت» يتزايد منذ مدة طويلة لدى الإيغور بأنهم: «تعبوا من المعاناة في صمت» .

لكن رغم التاريخ الدموي للصين ضد المسلمين لاسيما في تركستان الشرقية إلا أن الصين التي تعودت الكذب في سياساتها القمعية لا تخجل مما تفعل ولا تنكره. فهي تعلم أن العصر الراهن هو عصر الاتصالات، وبالتالي فإن ما يحدث لا بد وأن يجد طريقه إلى الملأ خلافا لعصر المذابح الصامتة. ومع ذلك تعاملت بكل وحشية مع الاحتجاجات، وهددت باتخاذ إجراءات عقابية إذا ما طبقتها فستنتهي بمذبحة جديدة. بل أنها استخدمت كافة إمكانياتها لإخفاء ما يمكن إخفاؤه من الجريمة، فأغلقت الشبكة، وأوقفت عمل الهواتف المحمولة وصادرت ما أمكنها من وسائل الاتصال بما فيها أجهزة الحاسوب، ودمرت مواقع الإيغور على الشبكة. وأشارت «رويترز» إلى حذف السلطات للتعليقات وصور القتل التي تعرض لها مسلمو الإيغور في الإقليم من المنتديات والمواقع الشهيرة.

إلى هنا فإن إلقاء اللوم على قوى خارجية لن تنفع الصين في شيء، ولن تؤدي إلى استقرار الإقليم طالما أن ماكينة القمع والحزب ذات مواصفات عنصرية ودموية وعدوانية في الداخل. وهكذا فللسياسة الصينية العقيمة نصيب الأسد في ديمومة الصراع في منطقة مرشحة أصلا للانفجار. لكن إذا ما اعتقدت الصين أن بإمكانها لجم الولايات المتحدة عن التدخل «الماكر» إلا من إبداء الأسف؛ أو أن سياساتها الداخلية ضد السكان الإيغور «شأن داخلي» كـ «الشيشان» فعليها أن تجيب عن سر نمو الجماعات الجهادية فيها وتمددها، وما إذا كانت الصين قادرة مستقبلا على تجنب إلحاق الأذى بها في سينكيانغ بالذات حيث البنى التحتية لمشروعها الاقتصادي. إذ أن مثل هذه الجماعات العقدية لا تردعها كثرة المذابح ولا يضيرها أن تجري بصمت خلف الأسوار ولا تعنيها الإدانات الدولية ولا تنتظر من ينتصر لها طالما أنها تؤمن بأن الله أكبر وأن الله معها يدافع عن الذين آمنوا.

نشرت بتاريخ 20 - 07 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت