رصد شهود عيان استطلاعات جوية منذ عدة أشهر، لطائرات يغلب الظن أنها أمريكية، وشملت هذه الاستطلاعات مديريات الصعيد ونصاب ومرخة في محافظة شبوة، وفي محافظة البيضاء حلق الطيران على المناطق الجبلية من مديرية ناطع ومديرية مسور وأسفل حدود مديرية الصومعة ومديرية جيشان في محافظة أبين. وكانت أول الغارات الجوية من نصيب سكان قرية باكازم في محافظة أبين والتي أودت بحياة خمسين فردا من الأطفال والنساء والرجال فضلا عن مئات من رؤوس الماشية. فقد قصفت طائرات أمريكية بحسب قناة الـ ABC التلفزيونية، بعض البدو الرعاة في المنطقة في 17/ 12/2009، وكان من بين القتلى أكثر من ثلاثين طفلا وامرأة. ورحبت الولايات المتحدة الأمريكية بلسان رئيسها وكذا مصر بالمذبحة. وكان، رايان روس، الصحفي الأمريكي في القناة، أول من نشر خبر المذبحة مشيرا إلى أن: «الإذن بالهجمات جاء من الرئيس أوباما شخصيا» ، مؤكدا أن: «الجيش الأمريكي هاجم موقعين مختلفين في اليمن بصواريخ كروز» . أما السلطات اليمنية، فقد اعترفت بأنها المسؤولة عن تنفيذ سلسلة من العمليات في أبين وأرحب رغم أن كل المؤشرات تدل على أن الطائرات الأمريكية هي من نفذ الهجوم.
في 21/ 12/2009 ألقى أحد قادة القاعدة كلمة في جموع الغاضبين على مجزرة أبين. وفي 24/ 12/2009 نفذت الطائرات سلسلة جديدة من الغارات فجر الخميس استهدفت مزرعة آل عبدالله بن دحة في منطقة رفض الواقعة بالقرب من مديرية الصعيد بمحافظة شبوة أو ما يعرف بمنطقة العوالق العليا. وقد أسفرت الغارة عن مقتل ستة أفراد من بينهم طفل وصاحب الكلمة محمد أحمد صالح بن عمير.
المراقب لما يحدث في جنوب الجزيرة العربية لا بد وأنه لاحظ أن الحرب الحوثية السادسة انفجرت فجأة وانطفأت كذلك! ولا يغير في هذا الأمر بقاء بعض المناوشات في بعض الأحايين بحكم سخونة المنطقة والانفلاتات بين الحين والحين. لكن إذا كان الرئيس اليمني نفسه قد أعلن في نهاية الجولة الخامسة من الحرب بأن الحرب انتهت فمن الذي أشعلها إذن وأدخل السعودية فيها بعد صمت دام قرابة الخمس سنوات على اشتعالها للمرة الأولى؟ ولماذا تنطفئ فجأة بعد جلاجل إعلامية صاخبة في المنطقة وأنباء عن تدخلات لقوات عربية قيل أنها فشلت في ردع الحوثيين؟ ولماذا تعارض أغلب الأحزاب اليمنية سياسات الدولة فيما يتعلق بالحرب أو إدانة الحوثيين؟
سؤال بسيط: بعض المصادر اليمنية تقول أن بعض ضباط الجيش اليمني يعارضون إنهاء الحرب مع الحوثيين؛ إذا كان الأمر هكذا، وهو المرجح، فمن يحكم اليمن؟ ومن يتخذ القرار فيها؟ هذا السؤال نطرحه في سياق التصعيد المفاجئ ضد القاعدة. إذ من الصعب القول بأن نظاما يمكن أن يتخذ قرارا من هذا النوع وهو يواجه أربع جبهات مفتوحة عليه. فالحوثيون في الشمال والقاعدة في الشمال والغرب، وهناك الحراك الجنوبي على أشده، وأحزاب سياسية ناقمة على النظام، ومجتمع مفكك، وضباط من داخل الجيش يصعدون الوضع مع الحوثيون. فما هي مصلحة النظام في تصعيد الموقف؟ وهل يستطيع أي نظام قوي أن يغامر بتسخين جبهة وتبريد أخرى كما هو الحال في اليمن؟
في أعقاب الهجمات الجوية أصدرت القاعدة بيانا مكتوبا (27/ 12/2009) قالت فيه أن مجزرة أبين: «تمت باتفاق وتنسيق يمني، أمريكي، مصري، سعودي، وبتعاون من دول الجوار» ، مشيرة إلى: «تخبط وكذب الحكومة اليمنية في تصريحاتها الإعلامية حيال مجزرة أبين، بزعمها أن الغارات يمنية في حين أنها أمريكية باعتراف الأمريكان» .
الحقيقة أن المشكلة تكمن في السياسة الجديدة للولايات المتحدة والتي تركز، كما هي عادة الديمقراطيين في الحكم، على المسألة الأمنية. ومن أجل السيد أوباما وبقائه مع حزبه في الحكم لأطول فترة ممكنة؛ يجب محاصرة كافة بؤر المقاومة والتوتر في العالم الإسلامي حتى لو تطلب الأمر احتلال الجيوش المحلية والأجهزة الأمنية للدول بحيث تصير فقط أداة بيد الأمريكيين.
فقد توقفت الحرب مع الحوثيين بموجب مصالح أمريكية إيرانية مشتركة تتعلق بملاحقة القاعدة حيث تكون. وقد جهد الأمريكيون في الحفاظ على علاقة مصلحية مع الإيرانيين حتى أن الرئيس الأمريكي أوباما علق على فوز أحمدي نجاد بالقول أن الانتخابات الإيرانية هي شأن داخلي، وأوكل مسألة الملف النووي لفرنسا على أن تتولى بريطانيا مسؤولية الملف الداخلي لإيران وهو ما حصل فعلا. وهذا لا يضير الإيرانيين الذين نجحوا على الأقل، ظرفيا، بتحييد الضغوط الأمريكية بما يكفي لجعل الضغوط الأوروبية ضدهم قليلة الفاعلية إن لم تكن معدومة ويسمح باستمرار المراوغة الإيرانية وكسب الوقت بتواطؤ أمريكي فاضح. وفي هذا السياق تأتي الهجمة الأمريكية على أفغانستان عبر زيادة القوات إلى أقصى مدى ممكن، وإذلال الجيش الباكستاني عبر إخضاعه لشروط مهينة فيما يتعلق بالمساعدات الأمريكية المقدمة لباكستان، وفي نفس السياق يأتي بناء الجدار المصري العازل على غزة.
كلها سياسات أمريكية وقرارات أمريكية لا شأن للعرب والأمة فيها إلا الرضوخ التام بلا ثمن، وأيا كانت النتائج. وهذه حماقة لا مثيل لها في تاريخ الأمة قاطبة. وكم كان ملفتا للانتباه تلك المقابلة التي أجراها الصحفي اليمني عبد الإله الشائع مع فهد القصيع (24/ 12/2009) أحد المتهمين السابقين بتفجير المدمرة يو إس إس كول. ففي المقابلة سئل «قصيع» عن دور الضباط اليمنيين في التحقيق معه:
«س: هل كان التحقيق معك مباشرا أم عبر هؤلاء الضباط؟
ج: كان مباشرا، رغم أن الرئيس كان يتكلم في الإعلام يومها بأنه لا يسمح للأميركيين بالتحقيق المباشر معنا لأن دستوره لا يسمح بذلك، وفي حقيقة الأمر كان المحققون الأميركيون يسألوننا مباشرة وجها لوجه والضباط اليمنيون مستمعون فقط».
هذه هي الحقيقة! فما يجري في اليمن هو عينه ما يجري في الضفة الغربية من سحب للسلطة وخاصة للملف الأمني ووضعه تحت الوصاية الأمريكية الإسرائيلية. وهو عين الأمر في باكستان وأفغانستان ومصر وغيرها. وهو عين ما يجري التحضير له في السودان. لكن من سوء حظ الضربات الجوية التي نفذتها طائرات الولايات المتحدة، بلا نتيجة تستحق المغامرة، أنها فضحت الدولة اليمنية، وكشفت أوراقها بسرعة فائقة. وهذا من شأنه أن يسهل على القاعدة تعيين سمت المواجهة القادمة، وربما يكسبها زيادة ملحوظة في شعبيتها مقابل خسارة حكومية وأمريكية مجلجلة. فمن يستطيع أن يتهم القاعدة بعد مذبحة أبين أنها تقتل المدنيين؟ ومن يستطيع أن يمنع الآلاف من مبايعتها؟ شيخ يغطي الشمس بغربال؟
نشرت بتاريخ 28 - 12 - 2009