طالبان الباكستانية (2)
د. أكرم حجازي
صحف - 5/ 7/2008
بالتأكيد فإن ما يجري على الساحة الأفغانية لا يصح قراءته بمعزل عما يجري على الجانب الباكستاني خاصة في المناطق الحدودية المشتركة أو ما يعرف في الحزام البشتوني عموما ومنطقة وزيرستان على وجه الخصوص وفي قسمها الجنوبي بالذات حيث موطن قبيلة محسود التي تشكل نسبة 60% من سكان المنطقة البالغ مجموعهم 700 ألف نسمة، وإليها ينتمي بيعة الله محسود زعيم طالبان الباكستانية التي تضم أكثر من عشرة آلاف مقاتل. لكن ما الذي يجعل الحزام البشتوني ملاذا آمنا إلى حد بعيد للمجاهدين؟ وما هي خلفية التحالفات بين القوى الجهادية في الحزام؟ وما هي مبررا الحكومة الباكستانية في المصالحة مع طالبان ومقاتلي القبائل؟
بيعة الله محسود
لا تحتوي شخصية الزعيم الطالباني بيعة الله محسود على أية عناصر جذابة في التحالف معها أو التعويل عليها أو فهم ما يجري في الحزام البشتوني، حتى حلفاءه يقولون أنه لم يتعلم لا في المدارس الدينية ولا الحديثة منها، لكنه مع ذلك"سياسي بالفطرة". ومثل هذه الصفات أبعد ما تكون عن اهتمام القاعدة التي تبحث عن شخصيات دينية أو قادة إسلاميون تمرسوا بالمعارك كي تتحالف معهم. ومع ذلك فالأخلاق الرفيعة التي يتحلى بها الرجل و"أعماله الطيبة"وصرامته كانت بمثابة جواز مرور لتلقي دعم قبيلته والتفاف القبائل حوله.
فالحقيقة الساطعة أن الزعيم الباكستاني لا يرغب في الظهور الإعلامي، بل أنه يبدو شديد الحذر على المستوى الأمني، ويتمتع بصلابة فيما يتعلق بالمسائل الشرعية حتى أكثرها حساسية رغم أنه ليس رجل دين ولا شيخا ولا طالبا، والأهم أنه ما من كاتب استطاع أن يثلبه في شخصيته أو خلقه أو كرمه أو لطفه ودماثة أخلاقه، وهي من الصفات العزيزة على قادة كثيرون في هذا الزمن. لكن هل هذا يكفي ليتربع محسود على قيادة حركة باتت تثير الرعب للحكومة وللقوات الأمريكية وتهدد في نفس الوقت بتعميم النموذج الأفغاني ي باكستان؟
من المهم ملاحظة أن شق الحزام البشتوني الباكستاني، كنظيره الأفغاني، ظل فقيرا منذ تأسيس باكستان، وظل محافظا يروم حكما ذاتيا في ظلال تطبيق الشريعة منذ ذلك الحين، وتبعا لذلك فقد ظل مهشما ومتوترا حتى أيامنا هذه، لذا يعتقد الأمريكيون أن برنامج إنمائي في المنطقة يمكن أن يحل المشكلة على امتداد خمس سنوات قادمة. لكن هذا المسعى، لو كان جادا، كان من الممكن أن ينجح لو فعلها الأمريكيون قبل الاحتلال السوفياتي، أما وقد تمرس سكان الحزام بالقتال وترعرعوا في المدارس الدينية وخبروا الوحشية الأمريكية والسوفياتية على مدار ثلاثة عقود وهي تخلف وراءها عشرات آلاف القتلى والمعوقين والدمار الشامل للمنطقة وثارات لا تندمل فلا نحسب أن مهمة المشروع الأمريكي أو الباكستاني ستكون سهلة.
من المهم أيضا ملاحظة أن طالبان الباكستانية هي تَجَمُّع لعدد من الجماعات الإسلامية العريقة المتحالفة مع شيوخ القبائل والتي لم يكن لها من مطلب سوى تطبيق الشريعة حتى قبل الحرب الأفغانية، ومن الصعب الزعم بأن مثل هذه المطالب تموت بتقادم الزمن أو بفعل برامج تنموية أثبتت أنها مخادعة أكثر منها حقيقة فضلا عن أنها أقرب إلى الرشوات السياسية المهينة. هذه الجماعات والقوى هي التي اختارت محسود ليكون زعيما لها، وبالتالي فالرجل لم يسقط بالباراشوت أو يأتي على ظهر دبابة بل جِيئ به ليكون أمينا على رأس برنامج يجري العمل على تنفيذه في المناطق الواقعة تحت سيطرته.
تضخم طالبان الباكستانية
يبدو أن الطبيعة الجغرافية للمنطقة وشُحِّ مواردها الاقتصادية وفقر السكان ساهمت بظهور فئات اجتماعية منحرفة اتخذت من الجريمة بشتى أنواعها أبوابا للارتزاق، وهو ذات الوضع الذي واجهته طالبان الأفغانية في قندهار وتسبب بالتفاف الناس حولها بعد أن لجأت إلى أخذ القانون بيدها وطهرت المنطقة من شرور هؤلاء. فلم يكن لطالبان الأفغانية حتى ذلك الحين تطلعات سياسية اللهم إلا تلقي العلم الشرعي بعيدا عن الخوض في الحرب كقوة سياسية، لكن سوء الوضع الاجتماعي هو الذي دفع بطالبان، وبتشجيع باكستاني، إلى المقدمة لتولي الوضع والتقدم حتى كابول لحسم الصراعات الدموية التي اندلعت بين الفرقاء على كراسي الحكم بعد انتهاء الحرب.
والآن نكاد نلحظ ذات التجربة تتكرر في بشتون باكستان ولنفس الأسباب مع الإقرار باختلاف الظروف والدوافع والأهداف. فقد نقلت مصادر صحفية عن أحد المقربين منه بأن بيعة الله محسود:"استعاد القانون والنظام في المنطقة"، مشيرا إلى أن اللصوص وقطاع الطرق كانوا يثيرون الرعب في كثير من المناطق قبل أن يسيطر عليها محسود. ويضيف مراسل"إسلام أن لاين"عن ذات المصدر قوله:"إنه بلا شك الشخص الأكثر نفوذا في منطقتي جنوب وشمال وزيرستان، حيث تمتد دولته من شمال وزيرستان إلى كورام (مساحة تقدر بحوالي 2700كم مربع) ". وقد بات:"قائدا لكل القبائل التي تكن تعاطفا لحركة طالبان، وكل رجال القبائل من جنوب وزيرستان إلى باجور يعملون تحت رايته، ما جعله الرجل الأقوى والأكثر نفوذا في منطقة القبائل".
لا شك أن هذا الجانب من الصورة ليس هو كل الصورة التي ما زالت تتشكل بفعل عوامل أخرى أكثر أهمية. فالحركة انتقلت في وقت قصير جدا من: (1) تأمين المنطقة وحماية السكان إلى (2) التحالف معهم ثم إلى (3) تشكيل قوة سياسية وعسكرية. وعلى شاكلة ما يجري في أفغانستان من إعلان لبعض مشايخ القبائل عن انضمامهم إلى طالبان في مقاتلة الحكومة المحلية والقوات الأجنبية ها هو زلمان شاه شيخ عشيرة كبرى في منطقة اوركزاي القبلية، ومن أشد مناوئي طالبان سابقا، يعلن تأييده للحركة:"بعد أن طهرت طالبان المناطق التي تسيطر عليها من اللصوص وقطاع الطرق وقضت على الجريمة والرشوة". والأهم في الإعلان أن صاحبه يقود عشرة آلاف مقاتل، وأنه تعهد:"بالوقوف إلى جانب طالبان في حال شن الجيش أو أي جهة هجومًا عليها". ولا شك أن مثل هذه التحالفات الاجتماعية والمسلحة من شأنها أن تضع حكومة باكستان فضلا عن حكومة الإقليم في مأزق، خاصة وأنها مرشحة للتمدد في مناطق أخرى.
الثابت أن أحدا لم ينسَ ماساة المسجد الأحمر ومئات الطلبة الذين قتلوا فيه جراء التدخل الدموي لحكومة الرئيس الباكستاني برويز مشرف. والأكيد أن المنطقة في غليان مخيف منذ ذلك الحين. وإن استطاعت الحكومة السيطرة على الأحداث فهي لم تستطع منع اغتيال بناظير بوتو، والمثير أن الباكستانيين باتوا يدركون أن طالبان خرجت من الإقليم البشتوني باتجاه عمق البلاد، وفي تقرير مقتضب لها قالت وكالة رويترز للأنباء (27/ 6/2008) أن:"أفراد طالبان لم يعودوا يقفون على أبواب بيشاور، إنما باتوا داخلها حيث يمارسون سلطتهم في أكبر مدن شمال غرب البلاد"، وعلقت الوكالة على ما تراه حدثا بأن:"تواجدهم الظاهر يشير إلى الفشل السياسي والعسكري في مقاومة موجة تشدد إسلامي قادمة من حزام البشتون القبلي على الحدود مع أفغانستان"مذكِّرة بتصريحات للرئيس الباكستاني حذر فيها من أن:"تبني نهج حركة طالبان الأفغانية يمثل أكبر تهديد تواجهه باكستان". فهل اكتملت الصورة إلى هذا الحد؟
طالبان والقاعدة
بالتأكيد لا. وبالتأكيد أيضا فالبرامج التنموية لن تفيد الأمريكيين كثيرا في محاصرة موجة تشدد خرجت من إطارها لتصيب مدينة مثل بيشاور (أكثر من مليوني نسمة) كانت في يوم ما معقل الجهاد العالمي ضد الاتحاد السوفياتي، فما الذي يمنع أن تكون كذلك مجددا ضد الأمريكيين؟ فالأهداف المعلنة منذ ظهور طالبان على مسرح الأحداث قبل سنتين على الأكثر في جوهرها دينية تتعلق بتطبيق الشريعة ومقاتلة ما تعتبرهم طالبان كفارا. وإلا فلماذا تتمدد باتجاه المدن؟ ولماذا تتحالف مع القاعدة؟ ولماذا تصر على عبور الحدود مع أفغانستان لمقاتلة الأمريكيين؟
يعود الفضل للعلاقة القوية بين طالبان والقاعدة إلى الشيخ أبي الليث الليبي أحد أبرز قادة القاعدة في أفغانستان والذي قتل مطلع السنة الجارية على الحدود مع باكستان حيث كان في طريقه للقاء بيعة الله محسود والتفاوض معه على الانتقال إلى أفغانستان لقتال القوات الأميركية. ويبدو أن جهوده أثمرت في بناء علاقات وطيدة مع طالبان باكستان خاصة وأن وفدا رفيعا من طالبان الأفغانية توجه، بعد اغتيال الليبي على عجل، إلى منطقة وزيرستان الباكستانية لإكمال مهمة رجل القاعدة ولقاء محسود بهدف تنسيق وتكثيف العمليات العسكرية في أفغانستان، خاصة في الجنوب. وفي حينه ذكرت مصادر أن:"مجموعة أنصار السنة"، و"حركة الجهاد الإسلامية"، و"أنصار المسلمين"، رفعوا حالة التأهب بين قواتهم لشن حملات عسكرية جديدة على القوات الدولية في أفغانستان.
لو استندنا إلى المصادر الأمريكية ذاتها لأصابنا العجب من نشاط القاعدة والمقاتلين الوافدين حتى في مدينة بيشاور التي كانت مرتعا خصبا لنشاط حثيث كان يقوم به أبا الليث منذ العام 2006 حتى قبل أن تعلن طائفة من الجماعة الليبية انضمامها إلى القاعدة. بل أن بعض التقارير تفيد بأنه ما بين 2500 - 3000 مقاتل أغلبهم من دول آسيا الوسطى يعملون الآن تحت قيادة طالبان الباكستانية، وبالتأكيد لم يلتحق هؤلاء بطالبان كي يتمتعوا ببرامج التنمية الأمريكية.
وفي كل الأحوال فإن تدخلات القاعدة في الباكستان لم تتوقف عند حد الدعوة إلى إسقاط برويز مشرف، ولا شك أن تفجير السفارة الدنماركية في إسلام أباد (2/ 6/2008) كان عملا أمنيا بارعا شاركت فيه قوى محلية تمكنت من اختراق الشريط الأمني للسفارة المحاطة بعدد من الشركات الدولية والسكن الدبلوماسي وإلا ما كان من السهل أن تصل السيارة المفخخة إلى المرآب المخصص للسفارة دون أن تثير الانتباه. والأهم في الحادثة أن تبنيها والإعلان عنها جاء من قبل القاعدة التي من المفترض أنها تعمل في أفغانستان لا في باكستان. فهل كانت عملية السفارة بمنأى عن التنسيق مع طالبان باكستان؟
الاتفاق بين الحكومة وطالبان
من الواضح أن طالبان تتضخم بصورة خطرة جدا، ولما تكون باكستان غير خاضعة لاحتلال مباشر على شاكلة الاحتلال السوفياتي أو الأمريكي لأفغانستان؛ فلماذا تبدو الحكومة الباكستانية عاجزة عن مواجهة محسود؟ والأصح لماذا تبدو الحكومة مندفعة باتجاه المصالحة معه رغم أن بنود الاتفاقية الموقعة بين الطرفين تميل بالكامل لصالح طالبان؟
فيما مضى جرى توقيع الكثير من الاتفاقيات بين القبائل وحكومة الرئيس برويز مشرف، لكن الفشل كان مآلها جميعها. أما هذه المرة فقد نجحت الحكومة الباكستانية بتمرير الاتفاق مع طالبان بعد أن تعمد المفاوضون الباكستانيون إبعاد الرئيس الباكستاني حتى من المفاوضات عليه. قد يبدو الأمر غريبا لكنها الحقيقة. فهل من مضمون للاتفاق؟ ولماذا خسر الرئيس من أهل بيته وهو الذي سبق له وتلقى دعاء حميما بالنصرة؟
ليس من المستبعد أن اغتيال بناظير بوتو كان عملا داخليا قادته أطراف مناوئة أو من تخطيط وفعل الاستخبارات الباكستانية نفسها. فالمرأة الحديدية، كما توصف، عادت إلى البلاد وهي تستعد لإعلان حرب عبر إغلاق المعاهد الدينية وتعميق التحالف مع الأمريكيين بما يسمح لهم بشن هجمات أوسع وأعمق في باكستان ومنطقة القبائل وأفغانستان ضد القاعدة وطالبان والسماح باستجواب عبد القدير خان مهندس البرنامج النووي الباكستاني. وهذا يعني أنها ستذهب أبعد مما ذهب إليه برويز مشرف في تحالفه مع الأمريكيين وهو يعرض مصالح البلاد ومستقبلها لخطر داهم. فبوصفه قائدا للجيش فقد حطم مشرف هيبته في النزاعات القبلية، وأرضى الهنود بالتخلي عن قضية كشمير وتقديم ملفات الجماعات الجهادية لهم دون مقابل إلا خضوعا للتهديدات الهندية، وشل أية فاعلية سياسية للسلاح النووي الباكستاني في مواجهة الهند، وقمع الحريات حتى وصل الأمر إلى القضاة ورؤساء المحاكم، وفرض أحكام الطوارئ، واستفرد بالحكم دون منازع. ولو راقبنا الوضع الباكستاني بعد اغتيال بوتو وتشكيل حكومة جديدة لتراءى لنا أن القوى الباكستانية التي حوصرت وضُيِّق عليها الخناق هي التي تحركت وأوقفت الرئيس"المستبد"عند حده وجردته من سلطاته رغما عن أنفه.
والحقيقة أن كل شيء في باكستان كان ممكنا للرئيس الباكستاني أن يأتيه إلا التضحية بورقة أفغانستان بوصفها العمق الاستراتيجي، فالبلاد التي تؤوي قرابة 170 مليونا من المسلمين وسط مساحة ضيقة لا تحتمل، مثلا، ضربة نووية دون عمق بديل وملائم وقادر على امتصاصها كما هو حال الهند ذات المساحة الشاسعة. هذه القضية بالذات هي التي دفعت باكستان فيما مضى لدعم الجهاد الأفغاني، وهي التي دافعت عنها المخابرات الباكستانية باستماتة قبل أحداث سبتمبر، وحتى بعدها حين أرسل مشرف مدير المخابرات إلى أفغانستان لإقناع الملا عمر بتسليم بن لادن إلا أنه أقيل بعد عودته مع 18 آخرين ممن رافقوه في مهمته. وقد أشارت بعض التحاليل، في حينه، أن عزل مدير المخابرات من منصبه جاء على خلفية تحريضه للملا عمر على التمسك بمواقفه وعدم تسليم بن لادن. لذا من المرجح أن الحكومة والمخابرات وحتى الجيش هي بعض القوى التي نشطت في السعي إلى توقيع الاتفاق كمقدمة لاستعادة عمقها الاستراتيجي، وهذا يعني أنها أعادت النظر فعلا في سياسات الرئيس.
ولدى معاينة تصريحات الجانبين سيتبين لنا أن الجانبين (طالبان والحكومة) حَرِصا على توقيع الاتفاق وإنجاحه بكل الجدية اللازمة. فمن جهتها قال مسؤول حكومي أن باكستان أبلغت الولايات المتحدة بأنه ما من حل آخر لدائرة العنف التي تعصف بالبلاد إلا بهذه الطريقة، لكنه كان أكثر وضوحا حين أعلن عن سياسة باكستان الجديدة بالقول بأن العصر الأمريكي في البلاد قد انتهى، فـ:"تلك الأمور تغيرت .. فالسيناريو القائم اختلف تمامًا عن ذي قبل ... حين ... كان هناك رجل واحد تتعامل معه واشنطن ... وسيكون من الصعب أن تفعل ما كانت تفعله في السنوات القليلة الماضية"حيث توجد اليوم حكومة ديمقراطية، أما عن الرئيس فالجميع في باكستان فضل إبعاده عن العملية لأنه:"مثار الخلاف ... ولو كان ضمن العملية لما كان المسلحون ليقبلوا التوقيع على الاتفاق".
وعلى الجانب الآخر من الأهمية بمكان ملاحظة تصريحات مسحود وهو يؤكد على أن:"القتال بين طالبان وباكستان يضر بالإسلام وباكستان. يجب أن ينتهي هذا القتال فورا". ورغم أن الاتفاق المكون من 15 بندا ظل طي الكتمان إلا أنه يميل فيما رشح عنه لصالح طالبان من حيث قدرتها على تحقيق أربعة مطالب قدمتها للحكومة هي: (1) انسحاب الجيش من منطقة وزيرستان الجنوبية القبلية ووادي سوات مقابل إنهاء نشاط المقاتلين و (2) تبادل السجناء بما في ذلك الجنود والسفير المختطف و (3) تعويض الأشخاص المنكوبين في المنطقة و (4) حرية الحركة لنشطاء طالبان.
هكذا تبدو الحكومة والجيش، الذي حظي الاتفاق بتأييده، راغبين، ليس فقط في تجنب الصدام مع طالبان والقبائل، بل وساعيين إلى التحالف معهم خاصة وأن مضمون الاتفاق: (1) لم يشر من قريب أو من بعيد إلى حظر العمل العسكري ضد الأمريكيين في أفغانستان! بل أن تصريحات محسود تؤكد أن:"الإسلام لا يعترف بالحدود، وأن الجهاد في أفغانستان سيستمر"، كما أنه ليس صحيحا، بحسب عضو بارز في حزب"عوامي"المشارك في الحكومة، أن الاتفاق (2) "قد تم على عجل"، وعلى العكس من ذلك فـ:"المسودة المقترحة هي نتيجة مفاوضات طويلة واتصالات خلفية مع القبليين"، بمعنى أن الاتفاق تم تدارسه بروية وبنظرة مستقبلية وليس لتحقيق احتياجات طارئة. بل أن: (3) "مسودة الاتفاق ضمت تأكيدات بأنها لن يتم إلغاؤها مهما كانت الضغوط الداخلية والخارجية"، والأهم على الإطلاق هو ما جرى تسريبه دون أن تتوقف عنده وسائل الإعلام كثيرا ويتعلق بـ: (4) حق طالبان ومشايخ القبائل بتطبيق الشريعة في المناطق المشمولة بالاتفاق. وهذا يفسر إلى حد كبير المنشورات التي وزعتها طالبان في عدة مناطق وهي تهدد بأن من يخرق:"أمر الكف عن الهجمات سيشنق في مكان عام، ولن تقبل أعذار، وهذا أمر قاطع".
لو قارنا الوضع بما يجري في العراق لتبين لنا أن القوى الحكومية والجهادية في بلاد الأفغان باتت أقرب إلى بعضها من ذي قبل بمراحل كبيرة جدا بعكس الحالة في العراق حيث يتعرض المشروع الجهادي فيها إلى ما يشبه الحصار الخانق. ولهذا تبدو الساحة الأفغانية أسهل وأنشط عسكريا وسياسيا وأكثر أمانا، ولعلها من المفارقات التاريخية الكبرى أن تنقلب الصورة فتتحول باكستان إلى عمق استراتيجي للقاعدة وطالبان الأفغانية فيما ضيعت سياسة مشرف أفغانستان كعمق استراتيجي حقيقي لباكستان. وعلى كل حال فالواقع يقول أن كل طرف يسعى اليوم إلى تأمين عمقه الاستراتيجي لدى الآخر، ومع أنه ليس من المستبعد أن يكون للحكومة الباكستانية أهدافا خفية من تقربها لطالبان؛ فهي ليست واقعة في غرام معها ناهيك عن القاعدة، فإن الواقع السياسي الجديد يوفر، على الأقل، فرصة لكل القوى لإعادة ترتيب أوراقها.
هكذا يمكن ملاحظة أن الحراك المسلح في المنطقة تقوده اليوم ثلاث قوى كبرى هي القاعدة وطالبان باكستان وطالبان الأفغانية، وبعيدا عن عنتريات الرئيس الأفغاني حامد كرزاي بعبور الحدود الباكستانية لملاحقة المتشددين، فإن مثل هذا الوضع لن يكون مطمئنا للأمريكيين الذين عبروا عن قلق بالغ وسخط من توجهات الحكم الجديد في باكستان، لخشيتهم من تحول البلاد إلى ملاذ آمن يمكِّن القوى المناهضة لهم من إعادة تنظيم صفوفهم. لكن من المهم ملاحظة أن السعي الحكومي للمصالحة مع مقاتلي القبائل وطالبان جاء متأخرا جدا عن التنسيق بين القوى الجهادية الكبرى في المنطقة، بمعنى أن فشل المصالحة قد لا يؤثر كثيرا، فيما لو نقض الاتفاق، على التحالف بين القوى الجهادية. وإلى هنا ربما يكون الوقت ملائما كي نفهم بعضا من التصريحات المتكررة في السنوات الثلاث الماضية لقادة القاعدة وهم يرددون عبارة أن:"الخير قادم في أفغانستان".
نشرت بتاريخ 02 - 03 - 2009