ثمة من يبرر كل تصريح مريب لقادة «حماس» بأنه مناورة سياسية من قبل القادة وحكمة وذكاء وحنكة، لكن المشكلة تكمن في قصور الناس عن فهم سياسات «حماس» وليس في تصريحات الرموز. وبالتالي فالمطلوب من الناس أن يكونوا على ثقة بأن «حماس» لن تفرط في الحقوق ولا في القضية الفلسطينية. والحقيقة أن ما نسمعه أو نشاهده أو نقرأه ليس سوى أطروحة تنظيمية صرفة. فإذا كان أبناء «حماس» ومناصريها ملزمون بطاعة قياداتهم فما هو المعيار المنطقي الذي يلزم أمة بها؟ هل الثقة بـ «حماس» وأطروحاتها وقياداتها موضوعا عقديا حتى تلتزم به الأمة؟ ثم من قال أن الرموز معصومين من الخطأ أو الكذب حتى تكون الثقة بهم مطلقة؟ ألا يوجد في الأحكام الشرعية ما تجتمع عليه الأمة ويطمئنها إلا الثقة بقادة حماس؟ وماذا لو لم تكن الثقة في محلها ووقعت الكوارث؛ فما الذي ستجنيه الأمة من إيداع قضية بحجم فلسطين في مستودعات الثقة التنظيمية؟
فقد سبق وصرح إسماعيل هنية قبل أربع سنوات، لفضائية CBS بأنه لن يرسل ابنه في عملية استشهادية، وأنه يرغب في وقف إراقة الدم. ومنذ ذلك الوقت لم نسجل أية عملية استشهادية لأن «حماس» أوقفت هذا النوع من العمليات، بينما ظلت أوساط «الإخوان» والحركة يبررون تصريحات «هنية» هذه بمداراة الغرب خاصة وأنه يتحدث أمام فضائية غربية! أليس هذا المثال البسيط بكاف لنسف مبدأ الثقة بالقيادة والمبررين لها؟
الدخول في دهاليز السياسة كمن يختار السير طواعية في حقل ألغام وهو فاقد لأهلية الخروج منه. بمعنى أنك لما تدخل الحقل عليك أن تخضع لشروط المسير فيه وإلا سينفجر أحدها بك ويودي بحياتك. والسؤال: ما هي الشروط التي دخلت بها «حماس» حقول السياسة والعلاقات مع الغرب والتسوية والحلول السلمية؟ وما هي مصادر القوة لهذه الثقة التي ينبغي الركون إليها في المسائل المصيرية وليس فقط في عملية استشهادية؟
المشهد الثاني: الاعتراف بإسرائيل
يقول المدافعون عن مواقف «حماس» فيما يتعلق بحل الدولتين والاعتراف بإسرائيل أن «حماس» تقبل الدولة المستقلة، والكاملة السيادة على حدود العام 1967، وبدون الاعتراف بإسرائيل. أي أن «حماس» لم تتخلّ عن ميثاقها، وبالتالي لن تتخلى عن الحق التاريخي في فلسطين من البحر إلى النهر. والسؤال المنطقي: هل تتوجه حماس بذات الخطاب إلى الولايات المتحدة والغرب والصين وروسيا؟ رغم أن التصريحات السابقة تقول بغير ذلك؛ إلا أن المدافعين عن أطروحة «حماس» يتحدثون بوجهين. الأول: يراهن على أن إسرائيل لن تقبل بشروط «حماس» . والثاني: يقول لنعطِ «حماس» فرصة ونرى، فهي متمسكة بعدم الاعتراف وهذا يحسب لها، ونحن نثق بها فلماذا لا تثقون بها؟
لكن بما أنه لا مستحيل في السياسة والعمل السياسي فعلينا توقع أن تقبل إسرائيل والغرب بأطروحة «حماس» بقيام دولة فلسطينية مستقلة مشفوعة بهدنة أو بأية وسيلة أخرى. هنا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار قدرات الخصم السياسية والدبلوماسية على المراوغة وإطالة أمد المفاوضات لعقد أو أكثر. فما الذي يمكن أن يحصل خلال هذه الفترة الزمنية؟ وما الذي يمنع «حماس» من تقديم ورقة الاعتراف كلما بدا لها أن المفاوضات تسير في تقدم؟ ثم هل لدى «حماس» مناعة من دخول المفاوضات أو الانزلاق بها بحيث يمكنها التراجع إذا ما شعرت بعدم جدواها، أو لاحظت أن ما يجري هو استدراجها لفخ شبيه بفخ أوسلو؟ وهل تضمن «حماس» ثقة الشعب الفلسطيني بها إلى الدرجة التي تكفي أن يتقدم حيث تتقدم هي ويتراجع حيث تتراجع؟
المشهد الثالث: دولة مع هدنة
لنفترض أن «حماس» توصلت إلى اتفاق مع إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس الهدنة. فهذا يعني أنها إما أن تستغله لتهيئة الشعب والأمة للاعتراف بإسرائيل وإما أنها تعد العدة لتحرير ما تبقى من فلسطين. والواقع أن خالد مشعل كان صريحا حين قال في كلمة وجهها إلى مجلس العموم البريطاني وصف فيها المقاومة لدى حركة «حماس» بأنها: «وسيلة وليست غاية» . هذه العبارة جرت ترجمتها مؤخرا في المقابلة التي أجرتها معه شبكة «بي بي إس - 6/ 6/2010» الأمريكية حيث قال: «إسرائيل هي التي بدأت الاحتلال، والمقاومة نشأت كردّ فعل. لذلك حين ينتهي الاحتلال، ستنتهي هذه المقاومة. الأمر بهذه البساطة. إنْ انسحبت إسرائيل إلى حدود عام 1967، لن يعود للمقاومة الفلسطينية أي وجود» .
هذا التصريح يعني أن «حماس» لن تتوقف عن المقاومة فحسب بل وعن الإعداد. وهكذا لا مقاومة ولا جهاد، ولا هذا النوع ولا ذاك. لكن لنفترض أن الشعب الفلسطيني رفض الاعتراف في استفتاء عام فهل ستقبل إسرائيل بهذه النتيجة؟ وهل ستكون «حماس» ، بالمقابل، جاهزة لإعلان الحرب عليها؟ أم أنها ستطارد من يقاتل إسرائيل؟
المشهد الرابع: خداع «حماس»
حقا فالحرب خدعة. فقد يقول قائل أن توصل «حماس» إلى تسوية مع إسرائيل سيكسبها الوقت في الإعداد للمعركة الفاصلة معها بحيث يمكن تحرير باقي أجزاء فلسطين نسبيا أو كليا أو على مراحل. فـ «حماس» ليست من الغباء أن تكشف أوراقها أو نواياها. لكن ماذا عن نوايا وخطط الطرف الآخر؟ هل هو نائم؟ أو مغفل لدرجة يمكن معها لحركة صغيرة أن تخدعه طوال سنين التهدئة؟
فاليهود ملة بشرية من النوع الذي ينهشها الخوف على مر التاريخ. وفي كل تسوية أو حوار أو محاولة للتفاهم السياسي معها يكون مصطلح الأمن لديها حاضرا في كل شارع ومنزل وزاوية وسرداب وكهف وخندق وواد وسهل وجبل ومؤسسة ومصنع وورشة ومدرسة وجامعة ومسجد ومعتقد ونظام وحتى نمط حياة واجتماع، ومهيمنا على كافة البنود الأخرى مهما كانت أهميتها بالنسبة للخصم. هذه هي الشخصية اليهودية، وهذه هي سماتها. شخصية لا يروقها الجوار الحضاري أو التعايش الثقافي ولا تستحي من سلوكها. فإن لم يقع ردعها بالقوة المسلحة، كما هو حالها عبر التاريخ وبين جميع الأمم والشعوب، فلن ترتدع بالمفاوضات والمساجلات. فهل من العقل الاعتقاد بأن «حماس» ذاهبة لإعداد العدة!!؟ وهل من العقل وقف القضية على قارعة الزمن ومطالبة الأمة أن تتحلى بالثقة وتصمت حتى يتم الإجهاز عليها؟
لعله من الطريف التذكير بأن الترتيبات الأمنية بين السلطة وإسرائيل عقب توقيع اتفاق أوسلو 1993 تدخلت حتى في نوعية الطلقات التي تستعملها قوات الشرطة الفلسطينية ومداها النهائي.
المشهد الخامس: الفشل
بعد شهور أو سنين تبين لـ «حماس» أن عملية التسوية فاشلة ولا جدوى منها خاصة وأن عناصر فشلها أكثر من نجاحها. فقد سبق لعرفات أن واجه نفس الموقف وأقرّ بأن الكفاح المسلح كان أهون عليه ألف مرة من التفاوض مع إسرائيل. فما هي الخيارات المتاحة أمام «حماس» ؟ لنسأل السؤال بطريقة أخرى: لو افترضنا أن إسرائيل رفعت الحصار عن قطاع غزة اليوم؟ هذا الأمر حقيقة كشف النقاب عنه منذ بضعة أيام عبر ما عرف بخطة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان القاضية بـ: «رفع مسؤولية إسرائيل عن قطاع غزة بشكل كامل وجعله كيانًا مستقلًا تمامًا» ، فما الذي أعدت له «حماس» لمواجهة موقف من هذا النوع؟ لا شيء. إلا أنها رفضت المشروع على لسان المتحدث باسمها سامي أبو زهري. أما لماذا فعلت ذلك؟ فلأنها ترى فيه: «انتزاع ثمن سياسي يتمثل بإعفاء إسرائيل من مسؤوليتها القانونية والعملية عن القطاع» . فعن أية مسؤولية قانونية وعملية يتحدث هؤلاء؟!
والحقيقة أن «حماس» ، مبدئيا، غير قادرة على تحمل مسؤولية سياسية بهذا الحجم لأنها لا تمتلك تصورا دقيقا عما تؤمن به أو تسعى إلى تحقيقه، ولا تدرس خيارات الواقع ولا تطورات المستقبل ولا هي مدركة لنمط التفكير اليهودي. فكيف يمكن لها أن تنجح في تسوية؟ ومع ذلك لنقل أن التسوية فشلت لأكثر من سبب فما هي الخيارات المتاحة أمام «حماس» للعمل بها؟
• الخيار الأول: أن تعلن «حماس» فشلها وتنسحب من العملية السياسية كي لا تتهم بالتفريط. لكن هل تستطيع أن تعود إلى مربع المقاومة أو الجهاد بعد أن تكون قد استنزفت نفسها؟
• الخيار الثاني: أن تواصل سقوطها في مستنقع التسوية وتنتهي لما هو أسوأ مما انتهت إليه منظمة التحرير. وفي هذا السياق فإن تاريخ فروع الإخوان المسلمين لا يبشر بخير سواء في أفغانستان أو العراق أو الصومال أو الجزائر أو في علاقاتهم بالسلطة أيا كانت هويتها.
• الخيار الثالث: أن تعود إلى كونها جماعة دعوية أو خيرية أو اجتماعية. لكن من سيثق بها؟ ومن سيؤمن بدعوتها آنذاك؟
أخيرا
في 24/ 5/2010 نظمت حركة حماس لقاء مطولا مع خالد مشعل في قاعة أفراح المزّة جنوبي العاصمة السورية دمشق بعيد لقائه مع الرئيس الروسي ميدفيدف، وحضر اللقاء جمع من الصحافيين والكتاب والإعلاميين، وفي مدخل القاعة انتشرت عناصر الأمن لمنع دخول كاميرات الفيديو، وطُلب من الحضور عدم تسجيل اللقاء بكاميرات الفيديو، إذ اقتصر التوثيق على كاميرات حماس. ولما دخل خالد مشعل قاعة اللقاء صحبة عزت الرشق، وطالب الحضور، ثانية، بعدم تسجيل اللقاء بكاميرات الفيديو أو مسجلات الصوت، قائلًا: أن حماس فقط من يوثق اللقاء بالكاميرات.
خلال اللقاء توقف أحد الحضور قائلًا لمشعل: كيف تقبل بقيام دولة فلسطينية على حدود 67، وفي نفس الوقت تجاهر برفض الاعتراف بإسرائيل، ما هو الفرق؟
بدت علامات الانزعاج على وجهه، إلا أنه قال: نعم أوافق على حدود العام 1967، لكننا نرفض الاعتراف بإسرائيل، وبدأ شرح الفارق بينهما، قائلًا: أن رفضنا للمبادرة العربية نابع من رفضنا الاعتراف بإسرائيل، وأننا لم نقبل يومًا بصيغة حل الدولتين بل وافقت على حل باستعادة الأراضي حتى حدود العام 1967 دون الاعتراف بإسرائيل.
بطبيعة الحال استمرت الأسئلة تلاحق مشعل، وسط قدرة عجيبة على التهرب من الإجابات، إلى أن فوجئ الحضور بأحد الصحافيين، يسأل أبو الوليد:
أنتم تحدثتم عن لقائكم المطول مع الرئيس الروسي ميدفيدف، وشرحتم له وجهة نظر حماس؛ فما هو رد الرئيس الروسي؟ أما خالد مشعل فقد أجاب قائلًا: لست مخولًا بإعلان ردود الرئيس الروسي على مقترحاتنا! فمن هو المعني إذن بالإجابة؟ ومن هو المخول بإعلام الأمة بمواقف خصومها؟ وما قيمة الحوار مع رئيس دولة عظمى لا يدري الشعب الفلسطيني ولا الأمة ماذا قيل فيه؟
سؤال: ما الذي يخيف حماس من توثيق اللقاء؟ وما الذي تخفيه؟ وهل ما يتحدث به مشعل هو نفس الخطاب الذي يتحدث به إلى وسائل الإعلام؟ وهل ما قاله الرئيس الروسي غير ما قاله خالد مشعل؟ إن لم يكن ثمة إجابات كالعادة فهو المؤشر القاطع على أن الدورة التاريخية ماضية في طريقها.
هوامش النص
* حديث الإفك / ص 76 - 78
* ثمانون عاما .. حماس والمشاريع الخادعة - 3
* حوار مع مشعل: «حماس» تقبل بدولة ضمن حدود 1967 ومصلحة أميركا بعدم لوم سورية
* لا سلام بلا حماس ( No Peace Without Hamas)
* مستشار هنية: بدون الحديث مع مشعل وهنية الغرب لن يحقق ما يصبو اليه
* النائب الأول لرئيس «حماس» أبومرزوق للشروق: السلطة الفلسطينية تجسست على الجزائر
* لجنة برلمانية بريطانية توصي بالتحاور مع حماس
* الأسطل نطالب بريطانيا بالاعتذار للفلسطينيين عن وعد بلفور
* مشعل: نريد دولة ضمن حدود 1967 وإطلاق الصواريخ توقف
* حماس تقبل اتفاق سلام مشروطا وواشنطن تتعاطاه بحذر
* مستشار هنية لـ «الشرق الأوسط» : فكر حماس قد يشهد تحولات أيديولوجية
* حماس قريبة جدا من الاعتراف بإسرائيل
* المستشار يوسف: المطلوب من الصهاينة أن يعترفوا بحقوق الشعب الفلسطيني
* هنية: لن نضع أي عراقيل أمام جهود قيام الدولة الفلسطينية
* خالد مشعل: إذا قبلت إسرائيل بحدود ما قبل 67 نقبل بها
* (شريط فيديو - مقابلة وكالة نوفوستي الروسية) .
* مشعل: قرار الاعتراف بإسرائيل يصدر عن دولة فلسطينية قائمة على حدود 1967
* الزهار: أبوالغيط يفاجئنا بتصريحات تستفز الناس
* بدلا من الرابط أعلاه
* مشعل: نريد دولة ضمن حدود 1967 وإطلاق الصواريخ توقف
* الزهار: أي إنسان يخرق التهدئة يعتقل وينزع سلاحه
* الزهار: عملية اطلاق الصواريخ على جنوب اسرائيل"عمل مشبوه يخدم العدو"
* الزهار: أولوياتنا التوصل إلى اتفاق مشرف وترميم ما دمره العدوان .. الاحتلال يقطع إمدادات الوقود عن محطات الكهرباء ويتوغل في خان يونس
* حماس: لايمكن الاعتراف بإسرائيل كمخرج للمصالحة
* مع مشعل: حماس تقبل بدولة ضمن حدود 1967 ومصلحة أميركا بعدم لوم سورية
* الساحر وخطاب السحرة: صراحة أوباما وصراحتنا
* هنية ليصرح لفضائية CBS بأنه لن يرسل ابنه في عملية استشهادية، وأنه يرغب في وقف إراقة الدم
* مشعل يخاطب العموم البريطاني ويدعو للضغط على إسرائيل
* حوار مع مشعل: «حماس» تقبل بدولة ضمن حدود 1967 ومصلحة أميركا بعدم لوم سورية
* حماس ترفض خطة ليبرمان لرفع مسؤولية إسرائيل عن غزة
الحلقات السابقة
* الهجوم على الإسلام - 1
* الإسلام و «طبيخ النَّوَرْ» (2 - 1)
* مناقشات منهجية لفتاوى طارئة (2 - 2)
نشرت بتاريخ 19 - 07 - 2010