بطبيعة الحال فتاوى العبيكان هذه ومواقفه في هذا السياق كثيرة. فهو يعتبر الحُكم القائم ولاية أمر شرعية بما في ذلك مشروعية تعيين الرئيس الأمريكي جورج بوش «بول بريمر» كأول حاكم مدني للعراق بعد سقوط بغداد. فعلى أي أساس شرعي أجاز خضوع المسلمين لحاكم كافر؟ فحين سئل العبيكان عن الحاكم الأمريكي المدني والحكومة الانتقالية القائمة بقوة الاحتلال أقرّ بشرعيتهما ونفى وجود راية جهادية في العراق، ولما سُئل عما إذا تعرضت السعودية لغزو مماثل لماحدث لأفغانستان والعراق قال بأنه سيتبع ولاة الأمر!!! فأي ولاة الأمر يقصد؟ ولاة الأمر المتغلبون؟ أم المغلوبون؟ ثم إذا كان ولاة الأمر موجودون في الحالتين فكيف يتواجدون في السعودية ولا يتواجدون في العراق؟ وكيف يكونوا شرعيين في السعودية رغم ضعفهم ولا يكونوا كذلك في العراق رغم قوتهم الساحقة باعتراف الأمريكيين أنفسهم؟ ومن هو الذي يحدد مشروعية هذا الولي من عدمه؟ ثم كيف استطاع العبيكان أن يحدد القدرة من عدمها خاصة في جهاد الدفع؟ فهل ثمة شروط أصلا لجهاد الدفع كي يحتج بها العبيكان؟
المثير في المسألة ليست تصريحات العبيكان وفتاواه غير المؤصلة لأي سند شرعي بل في علماء كثيرين يرون نفس الرؤية، وكلهم يدورون في فلك السلطة أمثال الشيخ سلمان العودة والشيخ صالح الفوزان ومفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ الذي يرى أن المجاهدين يقاتلون في سبيل الطاغوت وقوى خارجية أجنبية. ولسنا ندري على وجه الدقة والبيان عن أي طاغوت أو قوى خارجية يتحدث المفتي إذا كان هؤلاء يقاتلون الغزاة الأمريكيين وحلفائهم، فكل ما نعرفه أن هؤلاء هم القوى التي جاءت من الخارج إلى العراق، وليت سماحة المفتي حدد للأمة بالضبط من هو الطاغوت الذي يتحدث عنه؟ ومن هي هذه القوى الخارجية؟ والحقيقة أن راية الجهاد في هذه الأيام سواء في الشيشان أو العراق أو الصومال أو أفغانستان أشد وضوحا منها في زمن الاتحاد السوفياتي، ومع ذلك كان الجهاد آنذاك يحظى بكل الشرعية التي يحتاجها، واليوم يحظى بكل الإدانة التي يستوجبها! فما الفرق؟ وما الذي استجد في الأمر؟ لا شيء. كل ما في الأمر أن موضوع الراية غير ملائم للدول وللأنظمة وللأمريكيين ولكافة الخصوم.
لكن لو كانت مثل هذه الفتاوى فيها أدنى قدر شرعي أو عقلي مما يلزمها من أسانيد وحجج شرعية لانهارت كل الساحات الجهادية خاصة أن القوى المصاولة فيها حرصت على أن تقدم نفسها كجماعات جهادية ولم تقدم نفسها كحركات مقاومة وطنية.
فتاوى حوار الأديان
في اليوم الثاني لافتتاح أعمال المنتدى السادس لحوار الحضارات بين اليابان والعالم الإسلامي في الرياض (24/ 3/2008) ؛ ألقى الملك السعودي خطابا أمام المؤتمرين أعلن فيه عن مبادرته لحوار الأديان. وقال بالحرف الواحد: «كنت أفكر منذ سنتين أن جميع البشرية في وقتنا الحاضر في أزمة، أزمة أخلت بموازين العقل والأخلاق والإنسانية، ولهذا فكرت وعرضت تفكيري على علمائنا في المملكة العربية السعودية لأخذ الضوء الأخضر منهم، - ولله الحمد - وافقوا على ذلك والفكرة أن أطلب من جميع الأديان السماوية الاجتماع مع إخوانهم في إيمان وإخلاص لكل الأديان لأننا نحن نتجه إلى رب واحد» .
وقبل أن يبدأ التحضير لتنظيم انعقاد مؤتمر حول الأديان انفجرت عاصفة من الفتاوى المضادة بوجه الفكرة والدعوة على السواء، وصدرت فتاوى نقضت الفكرة من أساسها ووصلت بها إلى حد الردة والكفر. ومن بين العلماء الذين أفتوا بمناهضة الدعوة، ماضيا وحاضرا، كل من صالح الفوزان وعبد العزيز الراجحي وعبد الرحمن البراك وعبد الله بن جبرين وسفر الحوالي وبكر أبو زيد وعبد العزيز الجليل وعبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف وغيرهم بالإضافة إلى اللجنة الدائمة للإفتاء. فإذا كان أبرز علماء السعودية، ومنهم مؤسسات رسمية وفي موقع المسؤولية، قد أفتوا بحرمة الدعوة أو العمل بها فلماذا يتم إطلاقها رسميا من أعلى المستويات؟ ومن هم العلماء الذين استشارهم الملك السعودي وأجازوها؟
حين نتحدث عن الإيمان؛ فإننا نتساءل ببساطة: ما هو ميزان الإيمان والكفر في الإسلام؟ فعلى حد علمنا ومعرفتنا أن اليهود كانوا مؤمنين حتى كفروا {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ} (التوبة: 30) ، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} (المائدة: 64) وقالوا: {إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} (آل عمران: 181) . والنصارى كانوا مؤمنين حتى اتخذوا من التثليث عقيدة لهم {وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ} (التوبة: 30) . فإنْ كانت الدعوة استهدفت الحوار فالسؤال: ما هي هوية الحوار وما هو موضوعه وهدفه؟ وإنْ كانت الدعوة استهدفت التقارب فالسؤال: ما الذي يجمع بين موحد ومشرك أو مسلم وكافر؟ وإنْ كانت الدعوة إلى التسامح فالسؤال: من هو المعتدي، وهل هو مستعد لتعويض الضرر؟
لكن التحايل على الكفر والشرك كموضوعيين عقديين فهذا ما لا يقره عقل ولا دين ولا يقدر عليه أحد من الخلق لأنه من دين الله وليس من هوى البشر. وعليه فإن اعتبار اليهود والنصارى مؤمنين كما يقول الخطاب أو مؤمنين بدرجة وكفار بدرجة، مثلما نحن بالنسبة إليهم كما يروج البعض ويقول مثل د. يوسف القرضاوي، فهذا يدفعنا إلى التساؤل بانتظار الإجابة الصريحة: ما هو موقع هذا الرأي من قول الله عز وجل: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران: 19) ، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} (آل عمران: 85) {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} (البقرة: 85) ؟ ثم كيف يكون اليهود والنصارى مؤمنين وهم ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويكفرون بها وبدين الإسلام؟ ولما يكون اليهود والنصارى قد أشركوا وكفروا فكيف يصح وصفهم بالمؤمنين جزئيا أو كليا؟ وكيف يكون حكم الله في النصارى واليهود مساوٍ لرؤيتهما في المسلمين خاصة في مسائل الإيمان؟ أهكذا هي الوسطية في المفهوم الشرعي؟ لو فتشنا عن فتاوى أخرى من هذا القبيل سنجد ما هو أشد صراحة كحال إحدى أساتذة الفقه في جامعة الأزهر (د. سعاد صالح) التي تقول بأنه يجوز تولية المرأة لأمر المسلمين في الدولة الحديثة حتى لو كانت غير مسلمة، بل تؤكد أنها لن تكفر قبطيا! فهل يحتاج القبطي لمن يكفره من المسلمين؟
على كل حال فالخطاب يطرح مسألة أكثر إثارة، ففي 8/ 1/2010 أدى استعمال صحيفة «هيرالد كاثوليك» في ماليزيا لاسم «الله» بدلا من الاسم التقليدي الذي يستعمله النصارى عادة وهو «الرب» إلى احتجاجات عنيفة جدا، وقامت قيامة المسلمين هناك على هذا الاستعمال بدعوى أنه اسم خاص بالمسلمين، وأن استعماله من قبل النصارى سيؤدي إلى التشويش على المسلمين وإرباكهم وخداعهم فيما يُكتب من نصوص بحيث يصعب على المسلم العادي التمييز فيما هو إسلامي أو نصراني. ووصل الأمر إلى المحاكم وتنظيم احتجاجات عنيفة استمرت لأسابيع، تَصَدَّرها رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد. ولما أجازت المحكمة للصحيفة استعمال الاسم اشترطت أن يُكتب على غلاف الصحيفة أو بجانب النص عبارة «خاص بالمسيحيين فقط» . ومع ذلك فلم تقبل الكثير من القوى والحركات الإسلامية قرار المحكمة كحركة الشباب المسلم، وتجددت الاحتجاجات وسط هجمات متعددة أسفرت عن إحراق عدد من الكنائس.
في المقابل فإن أطرف ما في الخطاب الملكي الذي خرج بـ 568 كلمة أنه جاء على النقيض مما حصل في ماليزيا, فقد استعمل الخطاب، بشكل ملفت للنظر وغير مسبوق، كلمة «الرب» موضوعيا ودلاليا تسع مرات، بينما لم يستعمل كلمة «الله» موضوعيا أو دلاليا ولا مرة واحدة، واستعملت مرة واحدة في البسملة، وسبع مرات كجملة اعتراضية في صيغة «إن شاء الله» ومرتين في صيغة و «لله الحمد» . كل مسلم يعلم أن «الله» هو الاسم الأعظم لرب العالمين الذي لا يقبل التثنية و (أو) الجمع بعكس لفظة «الرب» . لو حاولنا إيجاد مرادف لغوي لاسم «الله» فلا يمكن لأي لغوي أو ملك أو إنس أو جانّ أن يأتي باسمٍ لله عزّ وجل بأكثر إعجاز مما اختاره لنفسه؛ مهما أوتي هذا من علم، ومهما أوتيت اللغة العربية من سعة في السموات والأرض. فمن هو اللغوي الذي يستطيع تطويع اللغة العربية للسيطرة على هذا الاسم الأعظم ويزعم أن له مرادف!؟ لا أحد. ومن هي اللغة التي يمكن لها أن تحتويه!؟ لا توجد. بل أن تحليل الاسم الأعظم لا يمكن أن يدل مجتمعا أو مفككا حرفا حرفا إلا على فردانية الله ووحدانيته: «الله = إله = لله = له = هـ» . وبما أن الملك عبدالله أعلن أنه استشار العلماء في الإعلان عن الدعوة فالسؤال: من هو الذي صاغ الخطاب؟ وهل الذي صاغه واستبدل اسم الله الأعظم «الله» بلفظة «الرب» كان يعلم ما يفعل؟ وهل العلماء الذين أجازوا الدعوة إلى حوار الأديان هم أنفسهم، كلهم أو بعضهم أو أحدهم، من أجاز الخطاب؟
فتاوى تكفير ولاة الأمور
ما كادت إسرائيل تعلن الحرب على غزة بكل وحشية حتى انبرت الفتاوى في تكفير كل من أعان كافر على مسلم. وكانت أبرز الفتاوى تلك التي صدرت عن أكثر من مائة عالم تحت عنوان: «بيان علماء الأمة في مظاهرة اليهود على المسلمين في غزة» ، وقد فصلت الفتوى وحشدت الكثير من الأسانيد الشرعية التي تجرم كل من ظاهر اليهود على المسلمين وصولا إلى تكفيره وإنفاذ الحكم الشرعي عليه باعتباره: «مرتدا عن دين الإسلام، فيفرق بينه وبين زوجه، ويحرم عليها الاتصال به، ولا يُصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين» . وللحق، رغم أن الفتوى ألمحت إلى الرئيس المصري ضمنا بسبب إصراره على عدم فتح المعابر خلال الحرب، إلا أنها لم تسميه ولم تعيِّن أحدا من العامة أو من الحكام. لكن فتوى الشيخ وجدي غنيم على فضائية القدس (31/ 12/2008) كانت أكثر الفتاوى صراحة في تكفيرها للرئيس المصري حسني مبارك عينا.
أما الشيخ يوسف القرضاوي فقد وصف الحكام العرب في أول خطبة جمعة (23/ 1/2009) بعد الحرب بـ: «إنهم لم يعودوا يعبدوا الله. إنهم يعبدون كرسي الحكم. هذه الكراسي هي إلههم الذي يعبدونه إلا من رحم الله فنحن لا نعمم» . وهذا حكم بالكفر مع الاستثناء.
في 22 جمادي الأولى سنة 1402هـ أصدرت «هيأة كبار العلماء» في السعودية بيانا بشأن الرئيس الليبي معمر القذافي وقع عليه ستة عشر عالما، وجاء فيه بالنص ما يلي:
« ... لقد أقبر هذا الرجل السنة النبوية وسخر من الحج إلى بيت الله الحرام ومن المسلمين الذين يقفون في عرفات وصدرت بتفنيذه فتاوى شرعية من هيئات ومجالس إسلامية عليا ومع ذلك لا يزال هذا المسكين يتخبط في متاهات من الزيف والضلال تعطي القناعة التامة إنه ضال ملحد.
إن مجلس هيئة كبار العلماء وهو يستنكر تمادي هذا الدعي على الإسلام والمسلمين ليقرر ويؤكد أنه بإنكاره لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفتائه بالحج واستهانته ببعض التعاليم الإسلامية واتجاهاته الآثمة الباطلة يعتبر بذلك كافرًا وضالًا مضلًا».
• بالنسبة لفتوى د. وجدي غنيم فهي فتوى سياسية بامتياز بقطع النظر عن حقيقة إيمان الرئيس المصري من عدمه. لأنها لو كانت شرعية لكانت مؤصلة ومسندة، لكنها أُطلقت لدواع سياسية صرفة وليس لاحتياجات دينية تقضي بتكفير الرئيس المصري. ولو صدرت على أساس شرعي لما كان هناك فرق يذكر بين الرئيس المصري الذي نال التكفير أو الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي حظي بالثناء عليه. فكما أشاد الشيخ سلمان العودة بتونس وحرصها على الإسلام وحماية النظام السياسي له ولأهله، مخالفا بذلك كل واقع ومنطق، كذلك فعل الشيخ وجدي غنيم. فإذا كان النظم السياسية في تونس والجزائر ومصر متماثلة ومتطابقة في الأيديولوجيات وفي المرجعيات، وكذلك في نمط المجتمعات، والسياسات، والفكر فكيف يتباينون في الحكم الشرعي؟
• بالنسبة لخطبة الشيخ يوسف القرضاوي ففي الأمر تفصيل بقدر ما في قوله من غموض. ففي البداية بدأ بالتعميم معتبرا أن الحكام العرب لم يعودوا يعبدوا الله، وأنهم يعبدون الكراسي، وأن الكراسي هي إلههم. وهذا القول كافٍ لإخراجهم جميعا من الملة. لكن الشيخ استدرك في القول مستعملا عبارتي: «إلا من رحم الله» و «نحن لا نعمم» . ففي العبارة الأولى «إلا من رحم الله» ثمة دلالة على القلة من الحكام العرب غير المكفَّرين. وفي العبارة الثانية «فنحن لا نعمم» ثمة استثناء عام. فهذه عبارة تسمح لأي حاكم أن يصنف نفسه في إطارها ويفلت من الحكم الشرعي. فمن هم الحكام الكفرة إذن؟ ومن هم المؤمنون منهم؟ وإذا لم تكن ثمة إجابة صريحة وقاطعة، ولن تكون، فما هي الغاية إذن من إطلاق مثل هذه الفتاوى؟
• تؤكد فتوى هيأة كبار العلماء على كفر الرئيس الليبي وضلاله. مع ذلك ففي 22/ 9/2008 استقبل الرئيس الليبي وفدا من الدعاة والعلماء والمشايخ ضم كل من د. عمر عبد الكافي مدير مركز الدراسات القرآنية في دبي، د. صفوت حجازي عضو المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة بمصر، د. محمد حسان رئيس تجمع أهل السنة بمصر، د. محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بجامعة دمشق، د. أحمد سعد الدين هلال أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، و د. العربي القشاط عميد مسجد الدعوة بالعاصمة الفرنسية باريس. وقالت الأنباء الرسمية أن الوفد: «أشاد عاليًا بدور الأخ القائد قائد القيادة الشعبية الإسلامية العالمية في نصرة الإسلام والمسلمين وإمامته الآف المسلمين من مختلف أنحاء العالم في الصلوات الجامعة بإفريقيا، وقيام الآلاف من المهتدين الجدد إلى الإسلام من مختلف أنحاء العالم، بإشهار إسلامهم على يديه» . وأعرب الوفد خلال المقابلة عن: «انبهارهم بالعدد الهائل لليبيين حفظة القرآن الكريم، وسعة آفاقهم وإطلاعهم الواسع على علوم الدين» . وأكد: «إن هذا الزخم الإسلامي الذي تشع أنواره من الجماهيرية العظمى ينطلق من اهتمامها الكبير بالقرآن الكريم وسنة آخر أنبياء الله (محمد) صلى الله عليه وسلم .. مكبرين في هذا الصدد اتخاذ ليبيا القرآن الكريم شريعة للمجتمع» .
السؤال الأول: ما هو الموقف الشرعي لهيأة كبار العلماء من زيارة زملائهم لليبيا ولقائهم رئيسها وشهادتهم التي من المفترض أنها تناقض ما جاء في نص فتواهم؟ فحتى هذه اللحظة لا نعلم إذا كان ثمة ما يوجب نقض الفتوى بعد هذه الشهادة، ولا ما إذا كانت الهيأة قد نسخت فتواها بفتوى أخرى.
السؤال الثاني: بما أن الوفد الزائر يعلم بالفتوى فهل يصح القول أن الزيارة والإشادات البالغة نسخت فتوى الهيأة؟ أم أن العلماء يتخبطون أكثر من العامة بحيث يصح لهذا أن يكفر ويجوز لذاك أن يبرئ؟
السؤال الثالث: إذا كانت فتاوى التكفير تصدر، بالجملة والمفرق، من هنا وهناك دون حسيب أو رقيب أو مرجعية فلماذا يختلف القول ويتوقف هؤلاء حين يتعلق الأمر بالتيار الجهادي العالمي علما أنه يعبر عن موقف عقدي صارم يقضي بتكفير الحكام وليس عن مجرد فتوى استدعتها ظروف سياسية أو مصالح حزبية؟
أخيرا
لا شك أن هذا النوع من الفتاوى وتلك القائمة التي أشرنا إليها في المقالة السابقة ليست من قبيل زلة العالم حتى تجد من يلتمس لها العذر. فهي تتكرر تباعا وتتناقض بإصرار عجيب لا مبرر له ولا تفسير مقنع إلا في كونه، بشكل مباشر أو غير مباشر، يصب في سياق الحرب الصليبية الجديدة على الإسلام أو في خدمة المصالح الضيقة التي تجيز وتحرم بحسب الحاجة. أما مواضيع الفتاوى فيمكن تصنيفها على النحو التالي:
• فتاوى تجيز الغناء والرقص والسحر والزنا والخنوثة ورضاعة الكبير،
• فتاوى تنال من الرسول صلى الله عليه وسلم،
• فتاوى تناصر الغرب في مسائل الحجاب والنقاب وحوار الأديان والتسامح وعدم الدعاء على اليهود والنصارى،
• فتاوى تروج للمذهب الشيعي وتدافع عنه،
• فتاوى تكفر حكام وتبرئ آخرين وتقفز على فتاوى سابقة بلا أية مقدمات أو مبررات شرعية،
• فتاوى التطبيع مع الغرب واليهود والتحذير من المقاطعة التجارية أو مهاجمة المواقع الإلكترونية لليهود،
• فتاوى تتعدى على حدود الله في مسائل الردة وإقامة الشريعة،
• فتاوى تمجد ولي الأمر إلى حد العبادة وتربط التعبد بإرادته كفتاوى دعاء القنوت حتى في النوازل الكبرى.
وفيما خلا الساحة الفلسطينية فإن كل هؤلاء يفتون، بلا تردد، بإدانة الجهاد العالمي بكل مضامينه، ويجمعون على غياب الراية، ويجرِّمون كل من يناصر المجاهدين أو يتبرع لهم بحجة دعم الإرهاب، هذا لأنهم يعتبرون الجهاد الراهن إرهابا. وفي الجزائر وصل الأمر إلى حد تجريم الاستماع لقائمة من الأناشيد الإسلامية تجاوز عددها المائة بدعوى أنها تحرض على الإرهاب. وفيما عدا مشايخ الإخوان المسلمين لم ينتصر أيا من هؤلاء ولو بالقول، إلا من رحم الله، حتى للجهاد في فلسطين، ولم يستنكر أيا منهم بناء الجدار العازل على الحدود المصرية مع قطاع غزة.
فيما مضى من العقود عاب البعض على الكثير من العلماء انشغالهم بفتاوى الحيض والنفاس، فماذا سيقولون اليوم عمن يجتهد في تحريف الدين والتاريخ وتخذيل الأمة وإحباطها وإلهائها بفتاوى الطرب والرقص والرضاعة وعبادة ولي الأمر والإشادة بالغرب وتأمين اليهودي والنصراني؟ وماذا سيقولون فيمن يتطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم ويصفه بالفشل؟ وماذا سيقولون في الكم الهائل من التناقضات التي حوتها فتاوى العلماء ومواقفهم؟ وماذا ستفعل الأمة إزاء هذا التخبط العشوائي الذي يزج بها في أحضان الضلال والثقافة الغربية في أبشع صورها انحطاطا؟ من أين ستأخذ الأمة دينها؟ وكيف ستحدد سلوكها الشرعي بعيدا عن المزالق والضبابية والغموض والفوضى التي يشارك بها الجميع قولا وتحريضا أو صمتا وتجاهلا أو تحريفا وتمييعا؟
في القوانين الوضعية ثمة محاكم ابتدائية للنظر في النزاعات في صورتها الأولية، وثمة محاكم جنائية ومحاكم استئناف ومحاكم تمييز ومحاكم دستورية وأخرى مختصة. أليس من الظلم أن تتسع القوانين الوضعية لمراتب قضائية قبل صدور الحكم النهائي بينما يضيق الأمر في الدين عن مؤسسات شرعية متخصصة؟ ماذا لو كان هناك هيئات شرعية مؤتمنة على الإفتاء، وتقع خارج أي سلطة للنظام السياسي، وذات مراتب في التشريع والمراقبة والمعاقبة والفصل على الأقل في الفتاوى التي تمس صميم الدين ومصير الأمة بدلا من التلاعب بهما على هذا النحو المخزي؟ لا بأس فتلك هي من وقائع الدورة التاريخية الجارية.
الإسلام و «طبيخ النَّوَرْ» (2 - 1)
نشرت بتاريخ 01 - 07 - 2010