وعن قتادة أيضًا: إعادة الحديث أشد من ثقل الصخر (1) ، وهذا أيضًا يتسبب لوقوع الاختلاف بين الرواة إرسالًا ووصلًا أو زيادة ونقصًا.
ونظرًا لهذه الحقيقة العلمية قال الحافظ الخليلي: لا يقدح إرسال في ما وصله الثقة، وليس ذلك على مبدأ أن زيادة الثقة مقبولة عنده مطلقًا.
وهذا الذي بنى عليه الحافظ الخليلي في اعتبار المخالفة بين رواة الحديث - زيادة ونقصًا - علة غير قادحة كقاعدة مقبول جدًا، لكن لا ينبغي تطبيقها في كافة المناسبات التي يظهر فيها الاختلاف - إرسالًا ووصلًا - ولا يقال إن راوي الحديث حدث على الوجهين جميعًا، إلا إذا دلت القرينة على ذلك، إذ أنه لا يدري أن هذا النوع من الخلاف ناتج عن السبب الذي أوضحناه آنفًا، أما إذا علم أن هذا الشيخ قد حدث مرتين مرة وصله وفي أخرى نقصه لما طرأ له شيء من الشك حول الذي نقصه أو أعاده ناقصًا فلا علة فيه أصلًا حتى يقال علة غير قادحة، أما رد الخلاف بين الرواة الثقات - زيادة ونقصًا - إلى ذلك السبب بدون قرينة تؤيد ذلك فغير مقبول عقلًا ولا واقعًا، فإن الحكم في المسألة إنما يتوقف على القرائن والمناسبات.
والذي نلاحظه في كلام الحافظ الخليلي هو إطلاق الحكم بصحة ما وصله ثقة مخالفًا لغيره الذي رواه مرسلًا، أو بصحة ما زاده مخالفًا لغيره الذي نقصه من الحديث من غير استناد إلى القرائن التي تفصل الأمر فيها، وهذا بعينه تبناه الفقهاء وغيرهم كمبدأ مسلم وكقاعدة مطردة، أعني بها قبول زيادة الثقة على الإطلاق، لأنهم يعتبرون الإسناد الذي وصله الثقة الضابط زيادة منه على من أرسله، وكذا المخالفة في رفع الحديث ووقفه، كما قبلوا زيادة الثقة في المتن، وعلى هذه القاعدة مشى الإمام النووي في معظم المواضع من شرحه لصحيح مسلم.
وهذه القاعدة لم يقبلها المحدثون على إطلاقها، فقد كانوا في هذه المسألة على دقة متناهية، وتحفظ بالغ، كما يتبين ذلك جليًا لمن يتتبع نصوصهم وعملهم، وتثبتهم في مثل هذه الأمور لم يكن منهم إلا بنظرهم في القرائن والمناسبات التي تحف بالحديث وروايته، وقبولهم وردهم إنما يتمان حسب دلالة تلك القرائن، وذلك هو الذي أكد عليه بعض المحققين من المتأخرين.
يقول الحافظ ابن حجر في نكته: 2/687:"والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن".
ولم أعرف أحدًا من المحدثين، قديمًا وحديثًا، يطلق العلة على كل اختلاف وقع بين الرواة في ألفاظ الحديث وعباراته، حتى وإن لم يؤثر ذلك الاختلاف في معنى الحديث ولا في فقهه، حتى جاء الأستاذ صاحب كتاب (منهج مسلم في الصحيح) وتجرأ على تفسير العلة في كلام الإمام مسلم حسب رأيه الخاص كي يخرج سالمًا وفاضلًا من المأزق العلمي الذي أوقع نفسه فيه بسبب موقفه الغريب ويقول:"إن المراد بالعلة التي وعد مسلم بشرحها في صحيحه هو اختلاف الرواة في ألفاظ الحديث وعباراته، وصيغ تحمله".
ومن أين له هذا المعنى؟ وهل أطلق أحد كلمة العلة على هذا المعنى؟ كلا. والذي وقع في كلام بعض الأئمة خلافًا للمشهور هو إطلاق العلة على سبب ظاهر يقدح في صحة الإسناد، كضعف الراوي، أو كذبه، أو الانقطاع الظاهر، أو غير ذلك مما يمنع صحة الإسناد، كما وقع إطلاقها في نصوص الإمام الترمذي على نسخ الحكم. وأما إطلاقها على مجرد الاختلاف في ألفاظ المتن وعباراته اختلافًا لا يؤثر في معنى الحديث وفقهه، أو على مجرد التفاوت في صيغ التحمل والأداء الذي لا يؤثر في اتصال الإسناد، (كحدثنا) و (أخبرنا) و (أنبأنا) ونحوها فلم يعرف ذلك عن أحد من المحدثين أو غيرهم.
وهل في قول مسلم وسياقه ما يدل على ذلك؟ كلا، انظر إلى ما قاله الإمام مسلم وتأمل في سياقه.
يقول مسلم:"قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم ووفق لها، وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحًا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى".
فما الذي شرحه من مذهب أهل الحديث؟ الجواب واضح لمن يراجعه بالوعي، المنكر وعلامته والزيادة والمخالفة هي جميع ما شرحه من مذهب المحدثين مما يدل بكل وضوح على أنه يريد بالعلة ما يتصل بالمنكر، وخلاصته: ما يكون سببًا يدل على وهم الراوي وخطئه.
ثم إن المواضع من الصحيح التي شرح الإمام مسلم العلة فيها توضح بجلاء أن مقصوده بالعلة هي الخطأ والوهم، مثلًا يقول الإمام مسلم في باب كراهية الشروع في النافلة بعد شروع المؤذن في الإقامة:
"قال القعنبي: عبد الله بن مالك ابن بحينة عن أبيه، وقوله:"عن أبيه"في هذا الحديث خطأ (2) ."
هذا مثال واضح لشرح العلة التي هي عبارة عن خطأ الراوي ووهمه، وبيانها في صحيح مسلم لم يكن منه إلا على استطراد كما تراه، لأن مسلمًا أورد في هذا الموضوع - كراهية الشروع في النافلة بعد شروع المؤذن في الإقامة - أحاديث صحيحة عن أبي هريرة وعبد الله بن مالك بن بحينة ولما أورد مسلم حديث عبد الله بن مالك بن بحينة بإسناده الصحيح ناسبه أن يبين الخطأ الذي وقع من القعنبي في روايته له، وقال:"قال القعنبي: عبد الله بن مالك ابن بحينة عن أبيه، وقوله عن أبيه في هذا الحديث خطأ".
والذي دل على خطئه هو مخالفته لجماعة من الرواة الثقات، وبعبارة أخرى: مخالفته للواقع الحديثي المعروف عن عبد الله بن مالك ، حيث زاد القعنبي في إسناده قوله:"عن أبيه"، فهذه المخالفة أصبحت علة مؤثرة في صحة قول القعنبي:"عن أبيه" (3) .
ونسوق مثالًا آخر، يقول الإمام مسلم في كتاب الصلاة، في موضوع الجهر بالقراءة في الصبح:
"وحدثنيه علي بن حجر السعدي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بهذا الإسناد إلى قوله:"وآثار نيرانهم"،"
قال الشعبي:"وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة. . . إلى آخر الحديث من قول الشعبي مفصلًا من حديث عبد الله،"
وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن داود، عن الشعبي، عن علقمة ، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله:"وآثار نيرانه"ولم يذكر ما بعده" (4) ."
هذا مثال واضح لبيان العلة وشرحها في صحيح مسلم، لقد شرح الإمام مسلم قضية الإدراج فيما رواه عبد الأعلى، عن داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، وصورة الإدراج هنا أن عبد الأعلى أدرج في حديث عبد الله بن مسعود قول الشعبي، وجعله من حديث عبد الله من غير أن يفصل بين حديث عبد الله وقول الشعبي، بل ساقهما بسياق واحد (5) .
ويتجلى خطؤه في ضمه قول الشعبي إلى حديث عبد الله بحيث يفهم القارىء أنه من حديث عبد الله، والواقع أن عبد الله لم يحدث به أصلًا، وإنما أضاف إليه عبد الأعلى وجعله من حديث عبد الله وهمًا وخطأ، وعرف ذلك من خلال المقارنة بين رواية عبد الأعلى وبين رواية غيره من الجماعة الذين شاركوه في روايته عن داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود، إذ كان عبد الأعلى هو الوحيد الذي يروي عن داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قصة الجن بتمامها ويسوقها بسياق واحد، بينما يرويها عن داود جماعة من الثقات مفرقين بين ما حدث به ابن مسعود، وبين قول الشعبي، ولم يسوقوها بسياق واحد، فمعناه أن عبد الأعلى أدرج في حديث ابن مسعود قول الشعبي، وخلط بينهما وهمًا منه أو خطأً دون أن يبينه.
هذا هو الذي قال الإمام مسلم - بعد حديث عبد الأعلى الذي أدرج فيه قول الشعبي، وجعله من حديث عبد الله:
"وحدثنيه علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بهذا الإسناد (يعني عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود) إلى قوله:"وآثار نيرانهم"، قال الشعبي: وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث من قول الشعبي، مفصلًا من حديث عبد الله".
يعني أن إسماعيل بن إبراهيم - المعروف بابن علية - في روايته عن داود، ذكر قول الشعبي منفصلًا من حديث ابن مسعود، حيث قال ابن علية أثناء الحديث:"قال الشعبي".
فالإدراج الذي وقع في رواية عبد الأعلى علة قادحة أي أن عبد الأعلى أخطأ في جعل الطرف الأخير من المتن مما حدث به عبد الله بن مسعود، ولم يحدث به عبد الله، بل إنه من قول الشعبي، ولعله سمعه من مصدر آخر. لقد شرح وأوضح الإمام مسلم هذه العلة في صحيحه مستطردًا بعد ذكره لحديث ابن عباس في صدر الباب واعتماده عليه، إذ أن حديث ابن مسعود لم يحتو على موضوع القراءة في الصلوات، بل احتوى على مجرد قراءته صلى الله عليه وسلم على الجن، ولما أورد مسلم حديث ابن مسعود متابعًا لحديث ابن عباس أراد أن يبين الإدراج الذي وقع من عبد الأعلى خطأ، فبينه وأوضحه على سبيل الاستطراد.
هذا هو معنى العلة التي تولى الإمام مسلم شرحها في مواضع الصحيح، ويتم الشرح والإيضاح بأساليب متنوعة، وهذا أسلوب منها.
وهناك مثال آخر لبيان العلة التي تدل على وهم الراوي وخطئه، يقول مسلم - رحمه الله - في كتاب الرضاع 10/69، في باب طلاق الحائض:
"وحدثنيه محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر. . ."قال مسلم:"أخطأ حيث قال"عروة"إنما هو مولى"عزة"."
فبين مسلم هنا التصحيف الذي وقع في رواية محمد بن رافع، عن عبد الرزاق خطأ من أحدهما، وشرحه على سبيل التبع والاستطراد كما هو جلي لكل من تأمل في الأحاديث التي أوردها مسلم في موضوع منع طلاق الحائض. والتصحيف علة قادحة أي خطأ من الراوي ووهمه، كما عبر به الإمام مسلم.
(1) المصدر السابق .
(2) انظر صحيح مسلم مع شرح النووي 5/222 .
(3) ويستفاد منه أيضًا أن قبول ما زاده الثقة ليس على إطلاقه عند مسلم وغيره من المحدثين، لأنهم لم يقبلوا ما زاده القعنبي الثقة، بل حكموا بأنه خطأ.
(4) انظر صحيح مسلم مع شرح النووي: 4/167-171.
(5) الحديث الذي رواه عبد الأعلى - كما عند مسلم:". . . فقال علقمة أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن."
قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا استطير أو اغتيل قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد.
فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف دوابكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم".
ولم يفرق عبد الأعلى هنا بين حديث ابن مسعود وبين قول الشعبي، بل خلط بينهما، قال الدارقطني:"انتهى حديث ابن مسعود عن قوله:"فأرانا آثار نيرانهم"، وما بعده من قول الشعبي كذا رواه أصحاب داود الراوي عن الشعبي: ابن علية وابن زريع وابن أبي زائدة وابن إدريس وغيرهم". (راجع شرح النووي: 4/170) .